“تسعون دقيقة بديلاً عن تسعين سنة”.
إذا ما أردنا تشريح الجسد العربي على طاولة الفحص الجيوسياسي، تعيّن علينا أولاً الخروج من وهم التسعين دقيقة الكروية، والدخول مباشرة إلى عتمة التسعين سنة من الهزائم والانكسارات المتراكمة.
إن كرة القدم في العالم العربي ليست مجرد لعبة، إنها الديمقراطية الوحيدة المتاحة خارج غرف التحقيق وسياط الرقيب، على حد تعبير عالم الاجتماع المغربي عبد الله حمودي في كتابه “الشيخ والرياضي”.
أحد عشر لاعباً بقميص موحد يجسدون في المخيال الشعبي شعباً بأكمله، وفي تلك الدقائق التسعين تتجلى عدالة صارمة ومطلقة، تفتقدها الشعوب في تسعين سنة من السياسة والوعود الحزبية البائدة.
إن المشجع العربي لا يهتف في حقيقة الأمر للمهارة الفنية أو لجمالية التمرير، بل يهتف لفكرة مستحيلة؛ لفكرة ماتت سريرياً في القصور ويبحث عنها في المدرجات: “نحن”. إن المونديال هو اللحظة السحرية الوحيدة التي يتذكر فيها العربي انتماءه لأمة ممتدة من المحيط إلى الخليج، قبل أن يطلق الحكم صافرته، فيعود ليسلم تذكرة هويته القطرية الضيقة لشرطي المعبر انتظاراً لتأشيرة خروج، وهو الإنسان الوحيد على وجه الأرض الذي يمكن أن يموت كمداً، أو يبكي قهراً، من أجل علم مرسوم على قميص، ليس علم بلاده.
الجرح الرمزي: من مصر “أم الدنيا” إلى المغرب “كاسر الجدار”
إن التعاطف العربي في المونديال لا يتجه صوب المنتخب الأكثر مهارة تكتيكية، بل يتجه حتماً نحو الأكثر رمزية؛ فالمشجع العربي لا يشجع منتخباً، إنه يشجع جرحاً يطابق جرحه.
وإذا ما استخدمنا الإحصاء كأداة كاشفة للواقع، فسنجد أن 22 دولة عربية، يقطنها نحو 450 مليون نسمة وفق تقديرات شعبة السكان بالأمم المتحدة لعام 2024، تملك رصيداً صفرياً من بطولات كأس العالم، بحسب السجل التاريخي الرسمي للفيفا.
في المقابل، تملك قارة أخرى مقاربة لها في عدد السكان رصيداً من الكؤوس العالمية يفضح حجم العقم البنيوي.
ومن هنا يُفهم تشبث الشارع العربي بمصر؛ فهو يمنحها “صك الغفران” حتى في حال الخسارة، وهو ما أكده الباروميتر العربي في موجته السابعة لعام 2022، إذ أبدى 78% من غير المصريين تأييدهم للمنتخب المصري.
وليس الأمر حباً بخطة المدرب، بقدر ما هو حنين جارف لدور القاهرة القيادي الذي تراجع منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي؛ فأي فوز مصري يمثل تعويضاً نفسياً جماعياً عن انكسار الرافعة القومية. هذا الانكسار الذي تحوّل الليلة في مونديال 2026 إلى حبس الأنفاس الجماعي، والشارع العربي يراقب العبور القيصري للمنتخب المصري بركلات الترجيح الحابسة للأنفاس، وكأن كل ركلة ترجّح كفة أمة بأكملها تبحث عن نصر مستحق.
وعلى المنوال ذاته، جاء المنتخب المغربي في مونديال قطر 2022 ليصنع ما يمكن تسميته “عقدة أسود الأطلس”، بوصفه أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ الدور نصف النهائي، فتحول في الوعي الجمعي إلى دليل رمزي على إمكانية المستحيل، وعلى إمكانية هزيمة المستعمر القديم في عقر داره.
إن العربي يشجع المغرب لأنه، ببساطة، يشجع ذاته في مواجهة التاريخ. وهو التاريخ ذاته الذي يكتبه المغاربة مجدداً في الملاعب الأمريكية الآن، حين تزلزل الهتافات الأركان مع كل هدف من الثلاثية النظيفة (3/0) التي سحق بها أسود الأطلس خصمهم، لتؤكد أن زئير قطر لم يكن طفرة عابرة، بل هو نهج بنيوي لكسر الجدران وتأكيد الجدارة.
ومن تونس في عام 1978 بأول فوز عربي على المكسيك، إلى السعودية في عام 1994 بفوزها التاريخي على بلجيكا وبلوغها دور الستة عشر، إلى قطر في عام 2022 بأول استضافة عربية للمونديال تحولت إلى احتفاء قومي رغم النتائج، وصولاً إلى الجزائر في عام 2014، لم يكن أي حدث عربي حدثاً رياضياً عابراً، بل كان بمثابة ثقب مؤقت في جدار الهزيمة الجماعية السميك.
“جغرافيا المدرجات المضادة: حروب الوكالة في فضاء الجمهور”
تتجلى في المونديال جغرافيا مضادة ومعجزة؛ فالسعودي يرفع علم المغرب، والجزائري يبكي بحرقة لهدف مصري، والتونسي يتعصب لانتصار سعودي. هذه الوحدة في المدرجات تقابلها, على الضفة الأخرى، تفرقة القصور.
ففي أروقة جامعة الدول العربية، التي يشترط ميثاقها لعام 1945 الإجماع لإصدار أي قرار، تعجز هذه الدول عن صياغة بيان استنكار، بينما يتوحد الشارع في ثوانٍ خلف تسديدة ركلة جزاء.
إن الأنظمة الحاكمة تخشى “قومية الملعب” لأنها قومية عفوية خارج السيطرة والبروتوكول؛ لا بيان رسمي يوجهها، ولا مرسوم ملكي أو جمهوري يؤطرها. إنه شعب يقرر بمفرده وبضمير الجمع مع من يتعاطف وضد من يصرخ، وهذا الانفلات العاطفي الموحد أشد خطراً على كراسي الحكم من أي مظاهرة سياسية منظمة.
يتحول الملعب بامتياز إلى ساحة حرب بالوكالة؛ فمباراة المغرب وفرنسا في نصف نهائي 2022 لم تكن تسعين دقيقة من الركض، بل كانت، كما وصفتها صحيفة “لوموند” في 14 ديسمبر 2022، استعماراً في مواجهة مقاومة، وتصفية حسابات تاريخية لم تُغلق ملفاتها في السياسة ففُتحت على العشب.
أما مباراة مصر والسعودية فلم تكن مجرد ديربي عربي، بل كان في عمق الوعي الشعبي مواجهة صامتة بين الزعامة التاريخية والمال السياسي. وحتى في قلب المونديال الحالي لعام 2026، لم تكن ركلات الترجيح المصرية مجرد حظ رياضي، ولم تكن ثلاثية المغرب النظيفة (3/0) مجرد أرقام على اللوحة، بل هي في الوجدان الشعبي ضربات مضادة للاستعلاء، وإثبات للذات الجريحة.
إن الجمهور العربي يفهم الشيفرة جيداً، ويشحن الكرة بكل طاقته المكبوتة.
اقتصادات العاطفة: استثمار الرأسمال في التفريغ القومي
لا تغيب في هذا الفضاء حركة الاقتصاد السياسي للعاطفة، حيث يقتات رأس المال على الدموع والشغف؛ فالعامل العربي المغترب الذي يتقاضى راتباً شحيحاً، قد يقتطع من قوته ليشتري قميص منتخب شقيق، لأن هذا القميص يتحول في تلك اللحظة إلى جواز سفر رمزي يعبر به نحو أمة متخيلة غائبة عن الخريطة السياسية.
إن الرأسمال يشم هذه العاطفة ويستثمرها إلى أقصى حد؛ فتُحوِّلُ الشركات والقنوات الاحتكارية وحدة المدرجات الصادقة إلى سوق مشتركة مؤقتة وجاذبة للأرباح، بدليل أن عائدات مونديال قطر 2022 بلغت 7.5 مليار دولار أمريكي وفق تقرير “ديلويت” السنوي، وهي ذات العاطفة المشتعلة التي يقتنصها رأس المال اليوم في بطولة 2026 ليضخ أرقاماً خيالية مستغلاً جنون الشارع بفوز المغرب الثلاثي الممتع وأعصاب مصر الفولاذية في الركلات الحاسمة. ويبارك النظام الرسمي هذا الاستهلاك، ويترك “الفيش موصولاً” بالكهرباء لتفريغ الشحنات، وما إن تنطلق صافرة النهاية، حتى يُسحب الفيش بعنف، ليعود المشجع مجرد مستهلك معزول، ومواطناً قطرياً يحتاج إلى تأشيرات ومعاملات مضنية لزيارة شقيقه في الدولة المجاورة.
“من الفحم والصلب إلى الهدف العابر: مقارنة بنيوية للوحدة”
تؤكد بنية الخيبة أن الوحدة الحقيقية لا تُبنى بالهتاف؛ فأوروبا التي نشهدها اليوم لم تتوحد لأنها بكت جماعياً على أهداف النجوم، بل توحدت على أساس اتفاقات الفحم والصلب الموقعة في باريس عام 1951، والتي شكلت النواة الأولى للاتحاد الأوروبي.
أما العرب فقد توحدوا عاطفياً على هدف عابر، وتفرقوا جغرافياً وسياسياً على أنبوب غاز أو على ترسيم حدود بئر نفطي.
ولا مجال هنا لجمل رومانسية ساذجة تدعي أن وحدتنا تعيش في قلوبنا؛ فالصياغة الرصينة تقتضي القول إن وحدتنا تعيش في الملعب فقط، لأنها محرمة ومجرمة في البنك المركزي.
وتبرز هنا المفارقة الصارخة بين قانون الفيفا وقانون سايكس بيكو؛ فالمنظومة الرياضية العالمية سمحت بوجود منتخب فلسطين ورفع علمه وعزف نشيده الوطني منذ قرار الفيفا رقم 55 لعام 1998، رغم عدم وجود دولة مستقلة على الأرض، بينما عجزت الجامعة العربية، باثنتين وعشرين دولة تملك الجيوش والثروات، على مدار عقود عن تحقيق سوق اقتصادية موحدة أو فتح الحدود أمام البشر والبضائع. إن الكرة تتجاوز السياسة لأنها أتفه منها، ولأنها أصدق منها.
“وحدة الطوارئ: الانتصار الكروي وكسر الهزيمة النفسية”
أما بعد الصافرة، فإن الذاكرة العربية تبدو قصيرة المدى، تشبه ذاكرة الأسماك؛ فبعد الهتاف الجماعي لمنتخب ما، تعود ساحات التعليقات الرقمية بعد أسابيع قليلة لتغص بالسباب الإقليمي والشتائم المتبادلة، مما يكشف أن هذه وحدة طوارئ مؤقتة تنتهي بانتهاء المؤثر.
لكن، ورغم هذا التشاؤم البنيوي، ثمة ما يقلق مضاجع الأنظمة؛ فالجيل الجديد الذي شاهد بعينه الانتصارات الكروية غير المتوقعة، تشكلت لديه مرجعية بصرية حية تقول إن العربي قادر على الوصول والانتصار.
وهذا المشهد البصري المنحوت في الذاكرة أشد خطراً على بنية الإحباط من مئة قمة عربية وبياناتها الخشبية، إذ انكسرت الهزيمة النفسية التاريخية ولو لمرة واحدة.
إن صور فرحة العبور المصري بركلات الترجيح، وثبات أسود الأطلس بانتصارهم العريض (3/0) في المونديال الحالي، تنحت في ذهن هذا الجيل يقيناً خطراً بأن الهزيمة ليست قدراً حتمياً.
وإذا ما تحولت هذه “القومية الملعبية” يوماً ما إلى “قومية شارع” واعية، ستغدو كرة القدم أيديولوجيا للتغيير، وهذا بالضبط ما لا تريده أو تحتمله أي دولة قطرية.
“المشرحة الجيوسياسية: الملعب كاستفتاء على الأمة”
وفي الختام، يظل “قانون المدرج” هو الحاكم؛ ففي المشرحة الجيوسياسية للوطن العربي، كرة القدم ليست مجرد جلد منفوخ، بل هي استفتاء شعبى غير رسمي وصاخب على فكرة الأمة.
إن الشارع العربي يصوت في المونديال لخيار الوحدة لأنه محروم من التصويت الحر في البرلمانات وصناديق الاقتراع، وهو يهتف لمصر والمغرب لأنه يهتف لنسخة متخيلة وهاربة ومشتهاة من نفسه: نسخة منتصرة، موحدة، ولها مكان لائق تحت الشمس.
وتؤكد القاعدة البنيوية للمشرحة أن الشعوب تتوحد في المدرج لأنها ممنوعة من التوحد في المصنع والجيش والسوق. وعليه، فإن المونديال ليس أملاً بالوحدة، بل هو الدليل القاطع على استحالتها سياسياً. إنه دقيقة الحداد التي نقفها جميعاً بانتظام على جثة أمة ميتة، قبل أن نطلق الصافرة ونعود لنشجع ضد بعضنا البعض في التصفيات الإقليمية.
إن كرة القدم هي “الشيوعية” الوحيدة الناجحة عربياً: من كلٍ حسب عاطفته، ولكلٍ حسب خيبته. ويبقى السؤال الحقيقي الذي يلوح في أفق الملاعب ليس متى تتوحد الأمة، بل لماذا تخاف الأنظمة إلى هذا الحد من أن يتحول الملعب إلى دولة؟.




