عقود من التضحية ودفع الأثمان الباهظة ،في المشهد السياسي اللبناني والعربي، حيث التقلبات والتكويع هي القاعدة، والتحالفات تُولد وتَموت على رقعة المصالح الآنية.
هنا تبرز ظاهرة سياسية فريدة حافظت على هويتها، وجذورها العروبية والوطنية عبر العقود، إنها مدرسة إهدن وبنشعي، التي تجسدت في مسيرة قائدين حملا الاسم نفسه، الرئيس الراحل سليمان فرنجية (الجد)، ورئيس تيار المرده الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية (الحفيد)، وبين (السليمانَين) خط مستقيم لم يتزحزح عنوانه الأبرز: “الوضوح الثابت والانتماء القومي والوطني الأصيل”، في زمن الرماد الذي يعمي العيون، ودفع الأثمان باهظاً دون تراجع .
فخامة الرئيس الجد.. العروبة الناصعة ومواجهة مشاريع التصفية، وحين يُذكر الرئيس سليمان فرنجية الجد، يُستحضر التاريخ اللبناني والعربي، صورة الزعيم الذي لم يعرف المواربة، ولم يساوم يوماً على هوية لبنان وعمقه العروبي.
يتجلى هذا الثبات بأبهى صوره في المحطة التاريخية الأبرز عام 1974، عندما وقف الرئيس الجد على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، متحدثاً باسم جميع الملوك والرؤساء العرب، ليعلن بصلابة أن قضية فلسطين هي قضية العدالة بالذات، مدافعاً عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وممهداً الطريق لإلقاء الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خطابه الشهير.
وعندما عصفت الحرب الأهلية بلبنان، دفع فرنجية الجد أثماناً عائلية وشخصية تفوق الوصف، في مجزرة إهدن الشهيرة، لكنه رفض أن يبيع موقفاً، أو أن يرهن سيادة بلاده للمشاريع الغريبة، وبقي متجذراً في أرضه، مؤمناً بأن الفروسية السياسية، تعني الصدق مع الناس حتى لو كان الثمن غزيراً من الدماء والدموع، هذا هو فخامة الرئيس الذي يخلد التاريخ مواقفه.
على هذا النهج بالذات، نشأ وشبّ حفيده، سليمان فرنجية، الوزير والنائب السابق ورئيس تيار المرده.
في قاموس الحفيد، لا مكان لـ (الاستدارات والتكويع) أو اللعب على الحبال السياسية، فالموقف من فلسطين والمقاومة في لبنان، ليس تكتيكاً انتخابياً، بل خيار استراتيجي وأخلاقي عابر للأزمان والمناصب.
في زمن تهرّب فيه الكثيرون من الهوية القومية، يطل سليمان فرنجية ليعلن بجرأة وثقة أن القضية الفلسطينية، يجب أن تكون قضية المسيحيين قبل المسلمين، مؤكداً دعمه المطلق لحق الشعب الفلسطيني، في استرداد أرضه ورفضه القاطع لمشاريع التوطين والوطن البديل.
أما بالنسبة للمقاومة في لبنان، فإن موقف سليمان فرنجية حاسم ولا يتأثر بتبدل موازين القوى، أو الوعود الرئاسية، ولا يكترث لكل هذه المناصب.
يرى فرنجية أن المقاومة هي نتيجة للاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، وليست سبباً لها، وأن (توازن الردع) الذي صنعته دماء المقاومين، هو المظلة الحقيقية التي تحمي لبنان والجنوب من الأطماع الإسرائيلية، وفي أوج المواجهات والتحديات، يقف بفروسية سياسية نادرة، ليؤكد تبنيه الكامل لهذا الخط دون حسابات جانبية، معتبراً أن تضحيات المقاومين في الجنوب، هي ذودٌ عن كل شبر من أرض الوطن وحماية لمستقبل أبنائه، مردداً كلمته الشهيرة، (إذا ربحت المقاومة سنربح وإياها، وإذا خسرت لا سمح الله، سنخسر معها بشرف) لم يفعلها الا القليل.
هذا الخط الواضح والرافض المطلق للمساومة، جعل مدرسة فرنجية هدفاً مستمراً للضغوط، فكما دُفعت الأثمان بالأمس دماً في إهدن، تُدفع اليوم عبر حصار سياسي واقتصادي ممنهج.
ولم يكن مستغرباً أن تمتد يد العقوبات الأميركية الجائرة لتستهدف هذا الخط السياسي، في محاولة واضحة لابتزاز فرنجية، وثنيه عن خياراته الوطنية وتفكيك تحالفاته الاستراتيجية، وهذا لن يحصل، فهذه العقوبات التي كُتبت بأقلام خارجية، لم تكن لتتحرك لولا التحريض المستمر والوشايات الممنهجة، من قِبل أطراف في الداخل اللبناني، أطراف ارتضت لنفسها أن تكون أداة للخارج، وحاولت استغلال هذا الضغط الدولي، لكسر زعامة فرنجية وإقصائه عن المعادلة الوطنية.
لكن الرد من بنشعي كان دائماً بالترفع وعزة النفس، كما تعودنا، فلم يتبدل الموقف ولم تتغير القناعات من أجل استرضاء واشنطن أو لإرضاء المراهنين في الداخل.
لقد أثبت سليمان فرنجية أن العقوبات لم تزد خطه إلا صلابة وترسيخًا للقيم والمبادئ، وأن الكرامة الوطنية والصداقة والوفاء للتحالفات هي أثمن بكثير من صكوك الغفران الدولية.
إن الرابط الحقيقي بين الجد والحفيد يتجاوز صلة الدم والاسم الواحد، إنه إرث الكلمة التي لا تصبح اثنتين، في مدرسة إهدن، الكلمة هي الموقف، والموقف هو الوجود.
لم يكن فخامة الرئيس سليمان فرنجية الجد، يوماً رجل توازنات رمادية، ولم يكن سليمان فرنجية الحفيد، يوماً مهادناً في قضايا الحق والسيادة، والكرامة العربية، كلاهما آمن بأن السياسة بلا ثبات على المبادئ، هي مجرد تجارة عابرة، وأن الزعامة الحقيقية لا تُقاس بالقصور، أو بتغيير الجلود لإرضاء الخارج، بل بالاحترام العميق الذي يفرضه القائد الصادق، على حلفائه وخصومه على حد سواء.
في النهاية، يرحل الحكام وتتبدل العهود، وتبقى في الذاكرة الوطنية مواقف الرجال وحدها، إن سليمان فرنجية اليوم، ومن خلال تبنيه الشجاع لقضايا الأمة، واحتضانه لنهج المقاومة، وصموده في وجه العقوبات والوشايات الداخلية، يؤكد يوماً بعد يوم أن تلك الشجرة الزغرتاوية العريقة العصية على الرياح، ستبقى جذورها ضاربة في عمق الأرض، حارسة لـ (كلمة الشرف)، والكرامة في زمن التقلبات الهجينة..




