مواقف منحازة تُحرّض على حربٍ أهليّة.. من يردعها؟.. عبدالكافي الصمد

لم تكد تمضي دقائق على مقتل المسؤول في حزب القوات اللبنانية بيار معوّض وزوجته وجارتهما، مساء يوم الأحد الماضي 5 نيسان الجاري، إثر تعرّض شقتهما الكائنة في مجمّع سكني بمنطقة عين سعادة بقضاء المتن، لقذيفتين أطلقهما العدو الإسرائيلي على المنطقة، حتى بدأ قياديون قواتيين ومناصريهم وحلفاء في الأحزاب المسيحية الأخرى في شنّ حملة سياسية وإعلامية مستعرة تحرّض على النّازحين الجنوبيين، وتدعو إلى طردهم من ما أسموه “المنطقة المسيحية”، ومنعهم من اللجوء أو الإقامة فيها ولو بالقوة، بعدما حمّلوهم مسؤولية مقتل ضحايا العدوان الإسرائيلي في عين سعادة بإخفائهم وجود قياديين في حزب الله بينهم في المناطق التي نزحوا إليها، متهمّين مسؤولين في الحزب باتخاذ المدنيين كدروع بشرية، ومحملين الحزب مسؤولية أيّ ضرر يلحق بالمدنيين في كلّ المناطق اللبنانية.

من استمع إلى مواقف وتصريحات مسؤولي القوّات وحلفائهم، تلك الليلة وفي اليوم التالي، لم يتردّد في إبداء الخشية والقلق من الأجواء المسمومة التي كان يُروّج لها بقوة في وسائل إعلام معينة وعلى منصّات وسائل التواصل الإجتماعي، نظراً لحجم التحريض المخيف والمرعب على النّازحين، سياسياً وطائفياً ومذهبياً، برغم عدم وضوح ما حصل ومن هو المُستهدف في الإعتداء، ومن غير أن ينتظروا أيّ بيان بهذا الخصوص من الجيش اللبناني والقوى الأمنية لجلاء الحقيقة، بل استبقوا التحقيقات باعتمادهم سردية إسرائيلية للحادثة، وتلفيقهم معلومات مُضلّلة ومُفبركة تصبّ في الإطار والهدف الذي أرادوه للحادثة.

وعلى الرّغم من أنّ صاحب الشّقة المُستهدفة أوضح أنّها كانت فارغة ولا يقيم أحدٌ فيها ولم يقم بتأجيرها إلى أيّ شخص، وهو ما أكّد عليه رئيس بلدية عين سعادة أيضاً، وكذلك أوضح سكّان المجمّع السكني واللجان المشرفة عليه من أن قاطني المجمّع يعرفون بعضهم جيداً وليس بينهم أحد أو عائلة من منطقة أو من طائفة أخرى، فإنّ الخطاب التحريضي بقي مستمراً ومستعراً، إلى أن جاء بيان قيادة الجيش، على دفعتين، ليعيد الأمور إلى نصابها ويضع حدّاً لحملة بشعة من التحريض.

فقد أوضح بيان الجيش أنّ الشّقة المذكورة “تعرّضت لاستهداف إسرائيلي معادٍ بقنبلتين من نوع GBU-39 الذي يطلَق من طائرة أو بارجة، في سياق العدوان الواسع على لبنان”، مشيراً إلى أنّ “القنبلتين إخترقتا سطح المبنى ثم الطابق الرّابع، وانفجرتا في الطابق الثالث المستهدَف بالإعتداء ما أدى إلى استشهاد ثلاثة مواطنين من سكان الطابق نفسه وإصابة آخرين بجروح”، وكاشفاً أنّ “التحقيقات الأولية أظهرت عدم وجود مستأجِرين جُدد في المبنى”.

أمّا الشّخص الذي غادر المبنى بواسطة درّاجة نارية حين وقع الإعتداء ثم توارى عن الأنظار كما أظهرته كاميرات المراقبة في المبنى، ورُوجت حوله تلفيقات واتهامات ومعلومات باطلة بأنّه الشخص المستهدف في الإعتداء وبأنّه ينتمي إلى حزب الله أو الحرس الثوري الإيراني، فقد أظهرت تحقيقات الجيش بأنّه “عامل توصيلات، وقد عمل خلال الأشهُر الماضية على توصيل أدوية لسكان إحدى شقق المبنى”، ما دفع قيادة الجيش إلى “عدم إطلاق التكهنات حيال هذا الإعتداء، والتحلّي بالوعي والمسؤولية، بانتظار إنتهاء التحقيق”، و”عدم إطلاق التكهنات بشأن مسائل أمنية حسّاسة، ما قد يؤدّي إلى توتر داخلي”، في إشارة ليست خافية بأنّ المقصود من هذه الدعوة هم الأطراف الذين رفعوا مواقف وشعارات التحريض وتأجيج الإحتقان، برغم أنّ تقارير إعلامية أشارت لاحقاً إلى أنّ القذيفتين اللتين أطلقهما العدو الإسرائيلي على المجمّع السّكني في عين سعادة يُرجّح أنّه جرى إطلاقهما عن طريق الخطأ.

وإذا كان بعض الوسط الإعلامي إتّهم البعض الآخر من الإعلام المُحرّض على الفتنة، بعد صدور بيان قيادة الجيش، بأنّه “إعلام متطرّف ومنحطٍ ومُقرف”، فإنّ نخباً إسلامية ووطنية عديدة أبدت أسفها العميق لما وصل إليه، من غير تعميم، الوضع المسيحي العام على صعيد القيادات والأحزاب السّياسية وغياب النخب فيه أو صمتهم، ما يلحق الأذى بالوجود المسيحي في لبنان والشّرق الذي كان له فيه إسهامات حضارية وإنسانية وثقافية رائدة”، وأنّ هكذا “أصوات إنعزالية وبغيضة تلحق أشدّ الأذى بوحدتنا الوطنية وتمزّق اللحمة التي صهرت اللبنانيين أجيالا بعد أجيال”.

Post Author: SafirAlChamal