في زمنٍ تُثقل فيه الأخبار كاهل الكبار، كان للأطفال موعد مع فسحةٍ من الأمل في ملعب السلام زغرتا.
هناك، لم تكن الكرة مجرّد لعبة، بل وسيلة نجاة مؤقّتة من واقع قاس فرضته ظروف النزوح. عشرات الأطفال، تتراوح أعمارهم بين ستة وخمسة عشر عاماً، عادوا لساعات إلى طبيعتهم الأولى: ضحكٌ عفوي، ركض بلا خوف، وعيون تلمع بالحياة بدل القلق.
المناسبة كانت مهرجاناً رياضياً نظمه الاتحاد اللبناني لكرة القدم بالتعاون مع خلية الأزمة، في خطوة هدفت إلى ملامسة الجانب الإنساني للنزوح، حيث لا يكفي تأمين المأوى، بل تبرز الحاجة إلى احتضان الطفولة نفسها.
المنسّق الفني في الاتحاد، فرانسوا دحدح، لخّص الفكرة ببساطة مؤثرة، مؤكداً أن “الأهالي النازحين يستحقون أن يروا أبناءهم يبتسمون مجدداً، وأن يعيش الأطفال لحظات طبيعية بعيداً عن الضغوط التي رافقتهم”.
كلامٌ يعكس إدراكاً عميقاً بأنّ الأذى لا يُقاس فقط بالخسائر المادية، بل أيضاً بما يتركه في نفوس الصغار.
النشاط أُقيم بإشراف مدرّبين مختصّين من الاتحاد، وبالتنسيق مع نادي السلام زغرتا، وبدعم من رئيس الاتحاد هاشم حيدر والأمين العام جهاد الشحف، في مشهد تكاملت فيه الجهود لتقديم صورة مختلفة عما يعيشه لبنان يومياً.
ولعلّ الرسالة الأبرز التي حملها هذا الحدث تمثلت في التأكيد على وحدة المجتمع، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى حيث شدّد دحدح على ان هدف الاتحاد ليس دائماً انتاج منتخبات أو اكتشاف المواهب، بل يتعداه إلى تعزيز الروابط الاجتماعية وترسيخ فكرة أنّ اللبنانيين، رغم كل شيء، قادرين على الوقوف إلى جانب بعضهم البعض.
أما اختيار زغرتا، فجاء نتيجة عوامل عملية وإنسانية معاً، أبرزها حسن التنظيم والدقّة في إدارة بيانات النازحين من قبل خلية الأزمة، ما سهّل عملية التواصل وضمان مشاركة الأطفال.
وقد خُصّ دحدح بالشكر مسؤول الخلية سامر عنتر، إلى جانب نادي السلام، لدورهما في إنجاح النشاط.
مع كل لحظة فرح عاشها الأطفال، بقيت الحقيقة حاضرة في الخلفية: لا شيء يعوّض البيت، حيث عبّر المنظمون عن أملهم في ألا تطول الحرب، وشدّدوا على أنّ استضافة النازحين تبقى واجباً إنسانياً، وإن كانت الراحة الحقيقية لا تكتمل إلا بالعودة إلى الديار.
هكذا، في ملعب السلام في زغرتا، كُتبت حكاية من نوع اخر: حكاية أطفال استعادوا، ولو مؤقتاً، حقهم في أن يكونوا أطفالاً… وحكاية وطن يحاول، رغم كل الجراح، أن يتمسك بما تبقى من إنسانيته.




