شكل تصريح قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال الاسرائيلي رافي ميلو عن أننا “فوجئنا بقوة وقدرات حزب الله” وقبله وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن “الهدف لم يعد نزع سلاح حزب الله بل احتلال الجنوب حتى نهر الليطاني لفرض منطقة أمنية عازلة”، إعترافًا واضحًا بعجز العدو عن تحقيق أهداف العدوان.
كما شكلت إشارة إلى مأزق الثقة الذي تشهده حكومة نتنياهو في المجتمع الإسرائيلي بعد الوعود التي أطلقها خلال الأشهر الماضية حول توفير الأمن والاستقرار للمستوطنات الشمالية التي يؤكد رؤساء بلدياتها أنهم لم يعودوا قادرين على التحمل مطالبين حكومة الإحتلال بإيجاد الحلول.
هذا الواقع يؤكد أن فائض القوة الإسرائيلية فشل مجددا في تحقيق نصر سريع، وأن التفوق العسكري لا يكفي لمواجهة المقاومة التي تدير الحرب بعقل بارد وتعتمد استراتيجية إستنزاف بنفس طويل.
لم تتحول معركة “العصف المأكول” إلى اختبار على قدرة المقاومة على الصمود، بل إلى امتحان قاسٍ للقوة الاسرائيلية التي تشير الوقائع إلى أنها ما تزال عاجزة عن تحويل النار وضرب الأهداف المدنية ومحاولات الضغط على بيئة المقاومة إلى إنجاز سياسي أو عسكري حاسم.
لا شك في أن إسرائيل التي اعتادت على خوض حروب تقوم على الصدمة بالتدمير والقتل، وجدت نفسها أمام نمط قتال مستجد كادت أن تنساه في لبنان. فالمقاومة لم تعد تعتمد الأسلوب الذي اعتمدته في عدوانيّ تموز 2006 وأيلول 2024، بل عادت إلى حقبة التسعينيات من خلال مجموعات عنقودية لا تدافع عن خطوط ثابتة بل تنتقل إلى الاشتباكات المتنقلة بين القرى والبلدات الجنوبية من الناقورة إلى البياضة، إلى عيترون ومارون الراس وعيناتا والخيام وغيرها، والتي تحرم جيش العدو الاستفادة من تفوقه العسكري في تحقيق حسم سريع.
لذلك، فإن التقدم البري الذي حاولت إسرائيل رسم صورة إنجاز من خلاله تحوّل عمليا إلى عمليات إستنزاف لجيشها الذي لا يستطيع إيجاد أرضا مستقرة لإقامة مراكز ثابتة عليها، حيث يتحول كل تحرك إلى تهديد مباشر وكل توغل باتجاه العمق الجنوبي إلى خطر يحيط بالصهاينة من خلال قصف المقاومة لتجمعات الجنود فضلا عن الاستهداف اليومي لدبابات الميركافا ولجرافات D9.
وهكذا يتحوّل السؤال، من هل يتقدم الجيش الإسرائيلي؟ إلى ماذا يستطيع أن يفعل بعد التقدّم، وكيف يمكنه البقاء دون دفع أثمان باهظة من جنوده وآلياته.
وبين جبهة أمامية غير قابلة للسيطرة الكاملة وضربات تطال العمق الخلفي للعدو، تجد القيادة الإسرائيلية نفسها أمام حرب من دون نتائج أو انجازات، ما يؤدي إلى إستنزاف عسكري في الميدان وسياسي في داخل الكيان.
في هذا الإطار، تمارس إسرائيل التعتيم على خسائرها في الجنوب بهدف حفظ ماء وجهها سياسيًا وعسكريًا.
علماً أن الاعتراف بحجم الخسائر يعني سقوط صورة الجيش الذي لا يُقهر، وانهيار السردية التي تُستخدم لتبرير استمرار الحرب أمام مستوطنات تتعرض يوميًا للاستهداف، ومجتمع إسرائيلي بدأ يسأل عن جدوى الحرب وأهدافها الحقيقية سواء في لبنان أو في إيران بعد 37 يومًا من دون تحقيق إنجازات واضحة وفي ظل تراجع الأهداف الكبرى إلى أهداف ثانوية.
واقع الميدان اللبناني يضاعف من إحراج نتنياهو الذي حاول بعد عدوان أيلول 2024 تسويق نفسه كصانع انتصارات وكزعيم تاريخي أوجد معادلة ردع بالقوة. إذ يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف تمامًا، فالحرب التي أرادها منصة لترسيخ صورته التاريخية تحولت إلى مرآة تعكس مأزقه السياسي والعسكري.
بات معلوماً أن نتنياهو بنى سرديته على فكرة أن الحروب المتعددة من لبنان إلى إيران فاليمن وسوريا والعراق قادرة على تكريس زعامته وفرض معادلة جديدة في المنطقة.
لكن في الوقت نفسه يواجه النتيجة المعاكسة: حرب بلا حسم، جبهة داخلية قلقة، وانتقادات متزايدة من داخل المؤسسة السياسية والعسكرية وضعف ثقة المجتمع الإسرائيلي به، وبالتالي بدل أن يكرّس صورة “القائد المنتصر” تبرز صورة رئيس حكومة يطيل أمد الحرب لأنه عاجز عن انهائها دون اعتراف بالفشل.
يمكن القول، إن الأزمة الإسرائيلية لم تعد في قدرة جيش العدو على الدخول إلى عمق الجنوب اللبناني، بل في عجزه عن الخروج منها منتصرًا.
وبذلك فإن الحرب التي تبدأ بوعد الحسم وتنتهي بإدارة الاستنزاف لا تصنع انتصارات، بل تؤسس لأزمات طويلة. ومع استمرار المعركة وإنجازات المقاومة في الميدان، تبدو إسرائيل أمام حقيقة تتكرر منذ سنوات وهي أن القوة قد تفتح الحرب، لكنها غير قادرة على انهائها بشروطها.






