بين مهلة التفاوض وواقع الميدان!.. حسناء سعادة

مع اقتراب فجر الأربعاء، حيث تنتهي المهلة المعطاة من قبل الرئيس الاميركي دونالد ترامب للتفاوض مع إيران، يقف المشهد الإقليمي على حافة مفصلية قد تعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط على مستوى العلاقة بين طهران واميركا، بل أيضاً في ساحات الاشتباك المفتوحة، وفي مقدّمها لبنان الذي دخل عملياً في معركة قاسية تحت عنوان: “العصف المأكول”.

السيناريوهات المرتبطة بنتائج التفاوض تبدو متباينة بحدّة. ففي حال الوصول إلى اتفاق، ولو جزئياً، قد نشهد تهدئة نسبية في الإقليم، تنعكس تخفيفاً من وتيرة التصعيد، وربما إعادة ضبط قواعد الاشتباك، مثل هذا الاتفاق قد يفتح نافذة لالتقاط الأنفاس اقتصادياً وسياسياً، خصوصاً في لبنان المنهك، حيث أي خفض للتوتر يترجم تلقائياً على شكل استقرار نسبي في الداخل.

في المقابل، فإن فشل المفاوضات يحمل تداعيات أكثر خطورة، إذ سيعني عملياً إطلاق يد التصعيد، وتوسيع رقعة المواجهة، وربما انتقالها إلى مستويات أكثر عنفاً وتنظيماً. 

هنا، يبقى لبنان في قلب العاصفة، لا على هامشها، مع ما يعنيه ذلك من ضغوط عسكرية وأمنية واقتصادية إضافية.

لكن، بعيداً عن رهانات التفاوض، يفرض الميدان منطقه الخاص، فالمعركة في الجنوب لا تُخاض بوصفها مواجهة تقليدية، بل وفق نمط قتال مختلف، قائم على تكتيك الكرّ والفرّ، والمجموعات الصغيرة، والاستنزاف المتدرّج. 

هذه المقاربة لا تهدف إلى حسم سريع، بل إلى تحويل أي تقدّم للعدو إلى عبء عليه، وإجباره على دفع كلفة مستمرة، بشرية وميدانية.

وقد أظهرت الأيام الماضية أن هذا الأسلوب نجح إلى حدّ كبير في إرباك الخطط الإسرائيلية، فبعدما بدأ الحديث عن اجتياح بري واسع، تراجع السقف تدريجياً، ليتحوّل الهدف من نزع السلاح إلى محاولة فرض منطقة أمنية في الجنوب، وهو تحوّل يعكس، في جانب منه، صعوبة تحقيق الأهداف الأولى.

في موازاة ذلك، تشير معطيات متقاطعة إلى أن إسرائيل تعتمد سياسة إخفاء الخسائر، ليس فقط لأسباب عسكرية، بل لاعتبارات سياسية داخلية. فالاعتراف بحجم الخسائر قد ينسف الرواية التي يحاول رئيس الحكومة تسويقها، ويقوّض صورة “الإنجاز” التي تُستخدم لتبرير استمرار الحرب. 

لذلك، يبدو أن تضخيم المكاسب، مقابل التعتيم على الخسائر، يشكّل جزءاً أساسياً من إدارة المعركة إعلامياً ومعنوياً.

لبنان، في خضمّ كل ذلك، يدفع أثماناً مضاعفة. فهو ليس طرفاً مستقلاً في هذه المواجهة بقدر ما هو ساحة لها، يتأثر بنتائج التفاوض كما بتقلبات الميدان. 

وبين احتمال التهدئة وخطر التصعيد، يبقى البلد عالقاً في معادلة معقّدة: انتظار ما ستؤول إليه المفاوضات، ومواجهة واقع حرب استنزاف مفتوحة.

في النهاية، قد تحدد مهلة الأربعاء مسار المرحلة المقبلة، سلباً او ايجاباً لكنها لن تكون الفصل الأخير، فالصراع، في جوهره، لم يعد مرتبطاً بقرار واحد أو اتفاق واحد، بل بتوازنات أعمق، تُرسم بالنار حيناً وبالسياسة حيناً آخر. 

ولبنان، كما في كل مرة، يقف عند تقاطع هذين المسارين، دافعاً الثمن الباهظ لاسيما في ظل الاطماع الاسرائيلية بمياهه وجنوبه.

Post Author: SafirAlChamal