منذ انتخاب العماد جوزيف عون رئيسا للجمهورية بخلاف رغبة القوات اللبنانية التي صوّتت له مرغمة في مجلس النواب نتيجة الضغط الدولي، وهي تحاول “الحفر” في طريق عهده لإضعافه، انطلاقا من القاعدة التي تعتمدها باستهداف أي شخصية مسيحية يمكن أن تنافسها في ساحتها، خصوصا بعد استطلاعات الرأي السريعة التي أظهرت مدى شعبية الرئيس عون لدى مختلف مكونات الشعب اللبناني.
كثيرة هي المحاولات التي قامت بها القوات بتوجيهات من رئيسها سمير جعجع لاستهداف رئيس الجمهورية سواء بالهجوم المباشر عليه أو على المؤسسة العسكرية التي أتى منها وتشكل الحصن الحصين لأمن واستقرار البلاد، وصولا إلى “الوشايات” به لدى الدول الراعية للبنان إقليميا ودوليا والتي سبق ووصف الرئيس عون أصحابها “ببخاخي السم”.
قبل فترة وصلت تحذيرات إقليمية إلى جعجع من الاستمرار بهذه المحاولات، وطلبت منه تحسين العلاقات مع قصر بعبدا، فكان الاتصال الهاتفي الطويل بينه وبين الرئيس عون والاتفاق على التعاون والتنسيق، ما دفع جعجع إلى إعادة فتح النار على التيار الوطني الحر ورئيسه النائب جبران باسيل بهدف إبقاء الساحة المسيحية مشتعلة خصوصا عشية الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في أيار.
رغم ذلك، فإن الحفر القواتي في طريق العهد لنصب الأفخاخ له، لم يتوقف واستمر بعيدا عن الإعلام وكان ينتظر اللحظة المناسبة لاستدراجه إليها.
ويبدو أن القوات وجدت هذه اللحظة في قضية السفير الإيراني التي ما تزال تداعياتها تتفاعل في ظل صمت الحكومة التي تجاهلت الموضوع في جلستها أمس الأول، وامتناع رئيس الجمهورية عن التعليق أو اتخاذ أي قرار بهذا الشأن.
لا يوجد عاقل يمكن أن يقتنع أن الرئيس عون وبعد لقائه الإيجابي في قصر بعبدا الرئيس نبيه بري الذي قال بعد الاجتماع: “أنا مطمئن بوجود فخامة الرئيس”، أن يوافق على قرار سحب إعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني أو أن يغطيه، ما يؤكد أن عون تعرض لخديعة قواتية وزارية وإعلامية وضعته أمام الأمر الواقع.
تشير المعطيات المتداولة إلى أن الرئيس عون بعد لقائه الرئيس بري، تلقى اتصالاً من وزير الخارجية يوسف رجي وأبلغه أن تدخل السفير المعيّن شيباني في الشؤون اللبنانية بلغ مداه، وأنه سوف يستدعي القائم بأعمال السفارة الإيرانية لإبلاغه تحذيرا شديد اللهجة ضمن الأطر الدبلوماسية المتعارف عليها، وقد ردّ الرئيس عون بأن لا مانع من ذلك.
وبعد قليل استدعى رجي القائم بالأعمال الإيراني وأبلغه بأن السفير شيباني هو شخص غير مرغوب فيه في لبنان وأن عليه المغادرة في مهلة أقصاها يوم غد الأحد، علما أن قرارات سياسية من هذا النوع بحسب القوانين المرعية مرتبطة بالحكومة مجتمعة أو برئيس الجمهورية الذي من صلاحياته قبول اعتماد سفراء الدول.
سارع رجي إلى تعميم الخبر على وسائل الإعلام، وبالتزامن استضافت إحدى القنوات التلفزيونية سمير جعجع الذي بارك تصرف رجي السيادي وأكد “أننا قمنا بتنسيق هذا القرار مع رئيس الجمهورية”، لتصدر بعد ذلك بيانات ترحيب من الخارجية الإسرائيلية ومن بعض الدول المعنية بالشأن اللبناني.
وبذلك وضعت القوات اللبنانية عبر وزيرها في الحكومة رئيس الجمهورية أمام الأمر الواقع، وفي موقف لا يُحسد عليه، فلا هو قادر على رفض قرار سحب الإعتماد فتنقلب بعض الدول الإقليمية والأجنبية عليه، وربما تستغل إسرائيل الأمر في توسيع اعتداءاتها واستهداف منشآت لبنانية رسمية، ولا هو قادر على تبنيه فيظهر طرفا في الإنقسام اللبناني وهو الحريص على أفضل العلاقات مع الرئيس بري على وجه التحديد وقد ترجم ذلك في لقائه الأخير معه، وعلى أن يكون الحكم الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع.
تقول المعلومات إن كثيرا من المساعي بذلت خلال الأيام الماضية لايجاد تسوية لقضية سحب إعتماد السفير الإيراني لكنها لم تتوصل إلى قاسم مشترك يحفظ ماء الوجه أمام ما يعتبره البعض مؤامرة مُحكمة تعرض لها العهد، لذلك فإن هذا القرار على الأرجح سيكون مصيره مثل كثير من القرارات الحكومية التي لم تنفذ، وبالتالي فإن السفير شيباني يبدو أنه لن يغادر لبنان، ولن يصار إلى الضغط عليه أمنياً، وسيترك قرار يوسف رجي معلقا إلى أن تزول مفاعيله وتداعياته.






