ودعت بيروت أمس، الفنان الكبير أحمد قعبور الذي ووريَ الثرى في جبانةالشهداء، وهكذا، رحل قعبور تاركاً مجموعة من الأغاني النضالية على غرار “أناديكم” و”نبض الضفة”. وسوف تبقى روح هذا الفنان اللبناني المناضل راسخةً في المخيلة والوجدان والتاريخ العربي السياسي.
يشكل رحيل الفنان المناضل أحمد قعبور(1955-2026)مرآة حال عالم بأكمله يتهاوى ولا يسقط. بالفعل، جسّد هذا المغني ذات الشعبية الواسعة نبض القوة إذ أنّه استمر في إبداعه حتى الرمق الأخير.
نذكر في هذا السياق أنه كاد يسقط خلال إحدى الليالي الفنية. في تلك الأمسية، إختلّ توازن قعبور بعد أن كان غنّى “يا رايح صوب بلادي” و”خلينا مع بعض”.
كما أنه كان قد روى قصة أغنية “أناديكم” قبل أن يشعر بنوع من الهشاشة الجسدية الّتي لم تنل إطلاقاً من عزيمته.
بالفعل، هو تابع الغناء بعد تلك الوعكة وأدى أغنية “خلينا مع بعض”. تجسّد هذه القوة المثالية والاصرار على الإستمرار في النضال من خلال الفن حالة المقاومة وحالة فلسطين وحالة غزة. فحتّى لو تلقّت فلسطين الضربات الممتالية، هي تنهض من جديد بكامل جبورتها وترفض الخضوع. هكذا، عاش المغني أحمد قعبور في تلك الليلة كلمات أغنيته “نبض الضفة” التي تتضمن العبارات التالية: “لينا سقطت، لكن دمهاكان يغني”. إذ أنه كاد يسقط و لكنه لم يتوقف عن الغناء.
تبدأ هذه الأغنية بأجواء الكآبة لتتفجر ثورةً من قلب المأساة. وقد تجلى فيها التصاعد التدريجي على مستوى الإنفعال الذي يعكس حالة قعبور. إذ أنّ البعض يؤكد أن سبب اختلال توازنه كان شدّة التأثّر العاطفي.
عواطف النضال الجماعي
هكذا، يمكن الجزم أن فن أحمد قعبور يندرج ضمن الأغاني الوطنية التي تؤجج المشاعر وتثير النشوة الجماعية. فهو على غرار جوليا بطرس وزياد الرحباني ومارسيل خليفة، غنّى للوطن، للأرض، للمقاومة. كما أن قعبور ينخرط ضمن ذاكرة يسارية تاريخية تتناثر شيئاً فشيئاً.
وفي هذه الحقبة التي تعصف فيها التغيرات في المنطقة، تعكس أغنية “أناديكم” روح المقاومة. كلمات هذا العمل الفني الملتزم هي من تأليف الشاعر الفلسطيني توفيق زياد الذي وجه خطابه الى شعبه المقاوم. وقد غنّاها قعبور في بداية الحرب الأهلية في لبنان عام 1975. إذ أنّه عمل آنذاك على تنظيم اللجان الشعبية لدعم المواطنين في مواجهة الحرب. وبهذه الأغنية، خرج اسمه من الإطارالضيق إلى الذاكرة العربية الواسعة، فانتشرت في لبنان وفلسطين وساحات العالم العربي، وصارت تردد في التظاهرات والمهرجانات والبيوت.
وقد شكلت هذه الأغنية منعطفاً حاسماً في مسيرته الفنية. وقد قال قعبور لاحقا إنه اعتبر هذه الأغنية محاولة لكفكفة دموع أبيه، التي انهمرت على وقع هزيمة عام 1976.
بالفعل، شكّلت كلمات هذه الأغنية لغة إنسانية قادرة على مواساة الهزيمة وتحويلها إلى نداء. وهكذا، لم يكتفي قعبور بكفكفة دموع والده بل هو كفكف دموع الأمة كلها في زمن الهزائم والنكبات.
مسيرة قعبور الفنية
وقد شكلت أغنية “أناديكم” تتويجاً لمسيرة أحمد قعبور الفنية التي بدأت حين أصبح تلميذ الأستاذ سليم فليفل، أحد الأسماء البارزة في تاريخ الموسيقى اللبنانية، ولاسيما في مجال الأناشيد الوطنية والغناء الجماعي. في تلك المرحلة، بلغ قعبور درجة من الوعي سمحت له أن ينفتح على هموم الناس الجماعية. وهكذا، أصبح فناناً ملتزماً في زمن جميل كان للأغاني فيه تأثير عميق على الرأي العام. بالعكس، في عصرنا الحالي، تمّ تفريغ الأغنية من محتواها ومن معانيها بهدف منعها من تأليب الشعوب والتأثير على مجرى التاريخ.
يمكن اعتبار أغاني قعبور جزءاً من الفن الذي يحرّك المجتمع ويتحرك معه. وهو ليس فناً جامداً بل اكتسب طابعاً نضالياً يسارياً.
نجح قعبور في تأجيج المشاعر واضفاء طابعاً جمالياً على النضال من أجل الأرض من خلال الموسيقى الملحمية واللحن الدافئ.
ومع انطلاقة تلفزيون المستقبل، أسهم في برامج موسيقية موجهة للجمهور العام، مثل “لعيونك”،و”بتمون”، و”روح شوف مستقبلك”، بالتعاون مع فرقة”الطرابيش”، محققا توازنا بين الحداثة والتراث الشعبي، وبات صوته حاضرا في المنازل جزءا من الحياة اليومية. هكذا، حمل قعبور حمل ذاكرة الأمة وذاكرة الحاضر في آن.
وأخيراً، ننوه بأغنية أحمد قعبور “جنوبيون” التي تعكس الملاحم الأسطورية التي تسطّرها المقاومة حالياً. نذكر كلمات هذا العمل الفني المميّز: “إنهم.. إنهم.. جنوبيون…جنوبيون…جنوبيون…من عيون الشمس يطلعون…من وجهالقمر”. هكّذا، أشار هذا الفنان الى الطابع الروحي والسماوي الذي يمّز جنوبنا الذي يرتبط أهله بالشمس والقمر. وبالفعل، هم يتخطوّن الحالة الدنيوية ليعانقوا السماء ونورها وبعدها الغير متناهي. وها هو أحمد قعبور اليوم في مكان ما في تلك السماء الى جانب كل الشهداء يتأمّل الأرض التي عشقها حتى الموت.





