لعلّ أصدق تعبير عن المسار المنتظر والمرتقب للحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران ولبنان، هو ذاك الذي قاله أمس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإشارته إلى أنّ “تداعيات الصّراع في الشّرق الأوسط لا تزال صعبة التوقّع بدقّة”، معرباً عن اعتقاده بأنّ “الأطراف الضالعة في النزاع ذاتها لا تستطيع التنبؤ بأيّ شيء، وبالنسبة لنا فإن الأمر أكثر تعقيداً”، ومضيفاً أنّ “الحرب الدّائرة في الشّرق الأوسط تُحدث تأثيراً متزايداً على الأوضاع الراهنة، مسبّبة أضراراً جسيمة على سلاسل اللوجستيات والصّناعة والتعاون الدولي”.
فعندما يقول أحد أبرز قادة العالم اليوم ورئيس دولة عظمى بحجم روسيا هكذا كلام، يتحوّل كلام بقية قادة ورؤساء وحكّام العالم الاخرين، ومعهم كلام المحلّلين الذين يملأون الشّاشات، إلى ترّهات من كلام لا يُقدّم ولا يُؤخّر، لا يوضح ما يجري ولا ما ينتظر المنطقة والعالم، بل يكتفي بملء الوقت الضائع إلى حين أن ينجلي غبار الحرب: إما بتسوية ما يمكن أن تنجح الجهود الديبلوماسية في التوصّل إليها، وإما بالميدان.
وما زاد الغموض غموضاً هو الكلام الذي أطلقه أمس الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما أطلق مواقف متناقضة ومتضاربة، ما جعل الحيرة مضاعفة لدى المتابعين الذين يسعون بكلّ جهد لمعرفة وتلمّس مسارات وتطوّرات الحرب وتداعياتها في الأيّام المقبلة.
فهو قال أمس كلاماً ردّده مراراً منذ الأيّام الأولى للحرب التي أطلق شرارتها، مع حليفته إسرائيل، في 28 شباط الماضي، عندما قال إنّه تمّ القضاء على “منصّات إطلاق الصواريخ الإيرانية، ودمّرنا العديد من المصانع الحربية ونحن مستمرون في ذلك، وألحقنا ضرراً كبيراً بمواقع إنتاج الطائرات المسيّرة”، و”انتصرنا على النظام الإيراني بشكل حاسم”، لكنّ الواقع على الأرض يشير إلى أنّ الإيرانيين ما يزالون يخوضون الحرب بالزخم ذاته من الردّ، وأحياناً أعلى، منذ بدء الحرب عليهم.
وبعدما قال ترامب إثر اغتيال المرشد علي خامنئي في اليوم الأوّل من الحرب، وبعده اغتيال عدد كبير من قادة الصفّ الأوّل، بأنّه “لا نجد في إيران من نتحدث معه أو يتحدث معنا بسبب اغتيال قادتهم”، ومتهماً الإيرانيين “بشراء الوقت” خلال جلسات التفاوض السّابقة، ناقض أمس كلامه عندما وصف الإيرانيين بأنّهم “مفاوضين رائعين”، وبأنّهم “يتوسّلون إلينا للتوصّل إلى اتفاق”، وهو ما ردّت عليه إيران بشروط مضادة لتلك التي قدّمها ترامب والتي اعتبرتها طهران “غير عادلة”، ومشدّدة على “ضرورة أن يشمل أيّ اتفاق وقف الحرب على جميع الجبهات، بما فيها فصائل المقاومة”.
وبعدما انتقد ترامب حلف الناتو، أبرز حلفائه، لأنّه “لم يفعل أيّ شيء يذكر لمساعدتنا بشأن إيران، ونحن لن ننسى ذلك”، واصفاً الحلف بأنّه بات “نمر من ورق”، توقع بعد مرور 27 يوماً على الحرب أن “يستغرق الأمر 4 إلى 6 أسابيع لإنجاز مهمتنا في إيران”، وهي مهلة تبدو غير واقعية نظراً لتجارب وحروب الولايات المتحدة السّابقة في المنطقة.
فعندما خاضت الولايات المتحدة بالتعاون مع حلف دولي واسع حرب تحرير الكويت إستغرقت تلك الحرب منها 43 يوماً (من 17 كانون الثاني ـ يناير حتى 28 شباط ـ فبراير العام 1991)؛ كما أن حرب احتلال العراق إستغرقت من الولايات المتحدة وحلفائها 26 يوماً (من 20 آذار ـ مارس حتى 9 نيسان ـ إبريل عام 2003، تاريخ سقوط بغداد)، في حين أنّ حرب الولايات المتحدة اليوم على إيران، ومعها حليف واحد فقط هو إسرائيل، تقترب من نهاية شهرها الأوّل من غير أن يلوح في الأفق القريب إمكانية أن تحسمها القيادة الأميركية لمصلحتها، في ظلّ مخاوف مرتفعة على مستوى المنطقة والعالم من أن تطول الحرب أكثر، من غير أن تسفر الجهود الديبلوماسية عن التوصّل إلى تسوية ما لها، أو أن تحسم في الميدان.




