حين يحاصر العيد… القدس تصلي وجعها!.. سمية موسى

في مدينة اعتادت المقاومة لتبقى، حل العيد هذا العام على القدس مثقلاً بالصمت. لم تعُد تكبيرات تعلو من مآذن المسجد الأقصى كما اعتدنا، ولم تصافح جموع بعضها تحت سماء تبارك اللقاء. العيد هنا لم يُلغَ من التقويم، لكنه أفرغ من روحه.

من ساعات الفجر الأولى، اصطفت الحواجز كجدار إضافي في وجه المصلين: رجال ونساء، شيوخ وأطفال، جاؤوا بقلوب مملوءة بالشوق، فعادوا بخيبة تُكسوها مرارة المنع. لم تكن الصلاة مجرد شعيرة، بل وعدًا جماعيًا بأن الحياة، رغم كل شيء، لا تزال ممكنة في أزقة البلدة القديمة.

خفّت حركة الأسواق، محال اعتادت أن تزدحم بالتهاني بدت كأنها تواسي أصحابها، وحتى رائحة القهوة التي كانت تصدح بضحكات مرتاديها صارت وحيدة. فالعيد في القدس ليس زينة وملابس جديدة فقط، بل اجتماع على الأمل، وحين يُمنع الاجتماع يتعرّى الوجع.

الأطفال، الذين كانوا ينتظرون العيد كنافذة ضوء، وجدوا أنفسهم أمام جدار آخر: لا صلاة، لا ساحات، لا تلك اللحظة التي يشعرون فيها أن العالم يتسع لهم. فقط أسئلة تنمو في عيونهم: كيف يُمنع الفرح؟ وكيف يُغلق باب الله في وجوهنا؟

 

ومع ذلك، لم تنكسر القدس داخل البيوت الضيقة. ولدت صلاة أخرى، صلاة بلا ساحات، بلا مكبرات، لكنها أوسع من كل القيود… تكبيرات خرجت من صدور تعرف أن الإيمان لا يُحاصر، وأن العيد ليس إذنًا يُمنح، بل روح تُنتزع.

 

فالقدس لم تمنع صلاة العيد فحسب، بل كشفت وجه المعركة: معركة على الحق في الفرح، على الحق في الصلاة، على الحق في أن تكون إنسانًا. وهنا، حيث يُمنع الصوت، يصبح الصمت صراخًا، ويصبح العيد رغم كل شيء مقاومة لا تُقهر.

Post Author: SafirAlChamal