في زمنٍ تتراكم فيه الخيبات، ويتحوّل الألم إلى شعورٍ دفين بالانتقام، لا يبدو المشهد العربي مجرد سلسلة من الأزمات العابرة، بل حالة مركّبة من الانكسار السياسي والضياع الفكري. نحن أمام واقعٍ تختلط فيه الهزيمة بالإنكار، وتتحوّل فيه سردية الخسارة إلى خطابٍ يومي يهيمن على الشاشات والمنابر، حتى باتت جزءًا من وعينا الجماعي.
لبنان، كما سواه من ساحات هذا الشرق، ليس استثناءً. وطنٌ مثقل بالجراح، يستفيق على أصوات الغارات، ويودّع شهداءه دون أن يملك ترف التوقف لالتقاط أنفاسه. لكن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في العدوان الخارجي، بل في عجزنا الداخلي عن إنتاج رؤية جامعة، أو حتى الحد الأدنى من التماسك السياسي والثقافي.
لقد تحوّل ميزان القوى المختل إلى شماعةٍ جاهزة لتبرير كل أشكال العجز. صحيح أن آلة الحرب لدى العدو متفوّقة، وأن القوى الدولية تنحاز بوضوح، لكن هذا الواقع لا يفسّر غياب الوعي العربي الجامع، ولا يبرّر هذا التشرذم الذي بلغ حدّ التنافس على الولاءات الخارجية- عن قصد أو من دونه!
في موازاة ذلك، سقطت الثقافة السياسية في مستنقع الواقعية الباردة، وفقدت قدرتها على الإلهام والتعبئة. القصيدة التي كانت يومًا تعبيرًا عن حلم التحرّر، تحوّلت إلى أثرٍ أدبي في كتبٍ لا يقرؤها أحد، بينما تسيطر لغة القوة المجردة على المشهد. هكذا، انكفأ الخطاب الثقافي، وتقدّمت الآلة العسكرية كفاعلٍ وحيدٍ في تحديد المصير.
غير أن الأزمة الأعمق تبقى أزمة ثقة: ثقة بين المواطن والدولة، بين المجتمع ونخبه، وبين الحاضر وتوق المستقبل. إنها أزمة ثقافة أيضًا، حيث تراجع الحسّ النقدي، وغابت القدرة على إنتاج مشروع حضاري جامع، ليحلّ مكانها خطابٌ متشنّج، متناقض، وعاجز عن تقديم بدائل حقيقية.
ومع ذلك، فإن اختزال الصراع في بُعدٍ طائفي أو إقليمي ضيّق، يُفرغ القضية من معناها الحقيقي. ما نشهده ليس صراع محاور بقدر ما هو صراع وجود، صراع على الأرض والهوية والسيادة، في مواجهة مشروع استيطاني توسّعي لا يخفي طبيعته العدوانية. وأي قراءة تختزل هذا الصراع في انقسام مذهبي أو سياسي داخلي، إنما تخدم، عن قصد أو غير قصد، تثبيت هذا الواقع المختل.
إن التحدي اليوم لا يقتصر على مواجهة العدو، بل يبدأ بإعادة بناء الوعي. وعيٌ يعترف بحقائق القوة دون أن يستسلم لها، ويستعيد القدرة على التفكير الاستراتيجي بدل الارتهان لردود الفعل. وعيٌ يرفض التبعية، لكنه أيضًا يرفض الشعارات الفارغة التي لا تُترجم إلى سياسات.
قد لا يكون الانتصار قريبًا، وقد لا يكون سهلًا، لكن التاريخ لا يُكتب بلحظة واحدة، بل بتراكم الإرادات. وبين لحظة الانكسار وإمكانية النهوض، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نمتلك، كعرب، الإرادة لإعادة بناء مشروعنا، أم سنبقى أسرى سردية الخسارة؟
الجواب لم يُحسم بعد. لكن ما هو مؤكّد أن استعادة الحق تبدأ أولًا باستعادة الوعي.




