دولٌ تتحاشى الحرب.. ولبنانيون يندفعون لتوريطهم فيها.. عبدالكافي الصمد

يوم أمس، نقلت وكالة “رويترز” للأنباء عن خمسة مصادر مطلعة، قولها إنّ الولايات المتحدة “شجّعت سوريا على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله، لكن دمشق متردّدة في الشروع في مثل هذه المهمة، خشية الإنجرار إلى حرب الشّرق الأوسط وتأجيج التوتر الطّائفي”.

ومع أنّ الضّغط الأميركي على القيادة السّورية الجديدة ليس الأوّل من نوعه، فإنّ الرّد السّوري برفض التورّط في الملف اللبناني ليس جديداً. فقبل أسبوعين نقلت جريدة “النهار” عن مسؤولين سوريين “عدم وجود نوايا لديهم لدخول لبنان”، ويندرج ذلك في إطار الموقف الذي أكّده مراراً الرئيس السّوري أحمد الشّرع من أنّ بلاده “مهتمة بفتح صفحة جديدة بين البلدين بما يخدم مصالح الشّعبين الشّقيقين”، على عكس أمنيات بعض الأطراف اللبنانية التي تبدي حماسة لتوريط سوريا في لبنان من أجل تحقيق مصالحهم ومنافعهم الضيّقة، وتحرّض دمشق بلا كلل على ذلك.

هذا الموقف السّوري الرّافض الدّخول إلى المستنقع اللبناني لا ينطلق من فراغ، بل من أنّ نظام الشّرع مهتمٌ حالياً بتثبيت حكمه في الدّاخل، أكثر من أيّ أمر آخر أو تطوّر في المنطقة، ولأنّ دخول قواته إلى لبنان ستكون له تداعيات مذهبية وطائفية في لبنان وفي المنطقة كلّها هو بغنى عنها، وسيعيد إلى الأذهان تجربة الوجود السّوري في لبنان التي ما تزال الكثير من تداعياتها السّلبية حاضرة في الأذهان.

لكنّ الضغوطات الأميركية على سوريا ليست الوحيدة التي مارستها واشنطن على دول المنطقة للمشاركة في العدوان المشترك الذي تشنّه مع إسرائيل على إيران ولبنان. فمنذ اليوم الأول لعدوانهما شرعت واشنطن في ممارسة ضغوط على دول عربية وأوروبية ودولية لمشاركتهما العدوان، من بين هذه الدول تركيا، نظراً لأهمية دورها المحوري في المنطقة.

غير أنّ تركيا إتخذت منذ البداية موقفاً مغايراً، رافضاً للعدوان وينسجم مع مصالحها الإستراتيجية في المنطقة. فعندما اغتيل المرشد الإيراني علي خامنئي في الأيّام الأولى من العدوان خرج الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ليعلن أنّ “تركيا حزينة لهذا الإغتيال”، مقدّماً تعازي بلاده لإيران، ومعلناً لاحقاً بوضوح رفض تركيا دخولها في الحرب ضدّ إيران، وقاطعاً الطريق على من ينفخون بنار الفتنة الطّائفية والمذهبية في المنطقة، ومن بينهم لبنانيون، عندما قال إنّه “ليس هناك دين سنّي ولا دين شيعي، بل هناك دينٌ واحدٌ هو الإسلام”، وذلك بعدما تلمّس بوضوح نيّة إسرائيل إستهداف بلاده بعد الإنتهاء من إيران، وهي نيّة عبّر عنها صراحة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في مستهل الحرب من أن الكيان الصهيوني “يواجه حالياً محوراً شيعياً ينهار، وسيواجه لاحقاً محوراً سنّياً يتشكل”، في إشارة منه إلى المحور الرباعي المكوّن من تركيا ومصر والسّعودية وباكستان والذي يجري التحضير له.

إلّا أنّ تركيا لم تكن الدولة الوحيدة التي رفضت مشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما ضد إيران، ذلك أنّ أغلب البلدان الأوروبية والدّولية أعلنت رفضها المشاركة، وكذلك بقية دول العالم الحليفة لهما، ما جعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبدي يوم أمس خيبته من ذلك، عندما قال بأنّ “الحلفاء رفضوا مساعدتنا في إيران، ونحن لن ننسى ذلك”.

هذه الخيبة كانت معكوسة في السّعودية وبقية دول الخليج التي وجدت نفسها في قلب المعمعة بلا رغبة منها في دخول حرب ضدّ إيران، ما عرّض دول الخليج لردّ إيراني إستهدف القواعد الأميركية فيها، والمرافق التي تُستخدم في العدوان، ما جعل أصواتاً لافتة ترتفع في الرياض وبقية عواصم الخليج، تدعو إلى “إخراج القواعد الأميركية من الخليج، لأنّها لا تحمينا بل بتنا نحن نحميها، وبعدما تبين أنّها تهدف فقط إلى حماية إسرائيل”، وتدعو إلى التعامل بعقلاينة مع “إيران التي هي جارٌ دائم وعدوٌ مؤقّت، في حين أنّ إسرائيل جارٌ مؤقّت وعدوٌ دائم”، وهي عقلانية بدأت تجد لها صدى في دول الخليج، برغم خطاب التحريض السياسي والطائفي والمذهبي الذي يشنّه البعض في هذه الدول، ويشارك فيه كالعادة ـ للأسف ـ أطراف لبنانيون.

 

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal