بينما تنشغل المنطقة بضجيج الصراعات الكبرى وعناوين الحروب المباشرة، ينمو على الحدود السورية ـ اللبنانية مشهدٌ صامت يحمل في طياته الكثير من الدلالات.
الاستنفار العسكري السوري الأخير ليس مجرد تحرك للمدرعات أو إعادة تموضع عابرة، بل هو تعبير عن واقعية سياسية فرضتها اللحظة الراهنة؛ واقعية ترى أن تأمين “الدار” يبدأ من إحكام إغلاق أبوابها.
تنطلق دمشق في هذا التحرك من مبدأ “الأمن الوقائي”، ففي زمن الانكشافات الأمنية، لا يمكن ترك الحدود للمصادفات أو للثغرات التي قد تتحول في أي لحظة إلى ممرات لاستنزاف الاستقرار.
هذا الفعل، في جوهره، هو قرار سيادي يهدف إلى حماية الداخل السوري أولاً، ومنع تحول المناطق الحدودية إلى “مناطق رمادية” قد تطمع بها أطراف خارجية أو قوى عابرة للحدود، وهي محاولة جادة لرسم خطوط واضحة تفصل بين استقرار الدولة وبين فوضى الإقليم التي لا ترحم.
القراءة الواقعية لهذا المشهد تكشف عن رغبة في “النأي بالجغرافيا” عن أي اشتعال محتمل، فسوريا التي تعمل بجهد شاق لإستعادة توازنها، لا تبحث اليوم عن تدخلات سياسية في شؤون الجار، بقدر ما تبحث عن “ضبط ميداني” يضمن عدم ارتداد الأزمات إليها.
هذا الحضور الكثيف على التماس الحدودي يعمل كـ “ردع صامت”، يوصل رسالة لكل من يهمه الأمر مفادها أن الدولة السورية تمتلك زمام المبادرة فوق أراضيها، وأنها الشريك الطبيعي والوحيد القادر على تأمين هذه الجغرافيا المعقدة.
في نهاية المطاف، يبدو أن ما يحدث على الحدود هو محاولة لترميم مفهوم “الأمن القومي” ببراغماتية عالية، حيث تدرك دمشق أن استقرار حدودها هو جزء لا يتجزأ من عافيتها، وأن بناء “سياج أمني” صلب هو الطريق الأضمن لمنع انتقال عدوى الاضطرابات، إنها لغة الواقع التي تفرض نفسها؛ حيث يصبح ضبط الأرض هو المفتاح الحقيقي لإغلاق بوابات القلق وفتح آفاق الاستقرار في منطقة أرهقتها الحروب ولم يعد أمامها سوى التمسك بسيادة حدودها، أما الأحاديث المتنامية حول تدخلات سورية في لبنان أو الدخول في الحرب الاقليمية أو الحدودية القائمة، فلا تعدو كونها تمنيات أو طموحات أو إستدراج ترى القيادة السورية وجوب أن تبقى بمنأى عنها، كونها ما زالت تحتاج الى كثير من الوقت لإستكمال مسيرة التعافي..




