أزمات لبنان والمنطقة في ظلّ الحروب.. تتراكم وتستفحل!.. عبدالكافي الصمد

في العام 1990 إنتهت رسمياً الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975، لكنّ تداعياتها ما تزال مستمرة حتى اليوم، بشكل أو بآخر، ما يترك إنطباعاً بأنّ تلك الحرب العبثية لم تنتهِ فعلاً، ويثير مخاوف كثيرة خشية إندلاعها في نسخة جديدة، خصوصاً عند كلّ أزمة تعصف بالبلد الصغير أو بالمنطقة التي تعيش منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن على صفيح ساخن يضجّ بالحروب والنّزاعات.

لكن برغم ذلك، فإنّ العقود الثلاثة والنصف التي مرّت على البلد منذ ذلك الحين لم تكن كلّها سمناً وعسلاً وأمناً وطمأنينة، ولا عرف لبنان فيها إستقراراً إلّا نسبياً وشكليّاً، وهو سرعان ما انهار عند اصطدامه بالواقع الصّعب الذي يعيشه، ونتيجة معالجات سطحية لأزماته المعقّدة والمتراكمة.

أبرز هذه الأزمات التي رافقت الكيان اللبناني منذ نشأته قبل أكثر من 100 عام ونيّف، كانت النّظام الطائفي القائم على مبدأ المحاصصة الذي استفحل مع مرور السنين وتحوّل إلى نظام مذهبي، وزاد من معدل الإنقسام السّياسي العمودي فيه، خصوصاً في أوقات الأزمات التي ظنّ اللبنانيون بأنّها انتهت أو تحجّمت مع انتهاء الحرب الأهلية، فإذا بها تستفحل كما لم تكن من قبل، أضيف إليها الصراع العربي ـ الإسرائيلي نتيجة احتلال الصهاينة لفلسطين وعدوانهم المستمر على دول الجوار، والذي كان لبنان أحد أبرز ساحاته.

هذه الأزمة السّياسية ـ الطائفية والمذهبية في لبنان تطفو على السّطح عند كلّ محطة مفصلية، وتدفع الأزمات التي يعانيها البلد على أهميتها إلى الوراء، من الإنتخابات النيابيّة والبلدية إلى انتخاب رئيس للجمهورية إلى تسمية وتشكيل الحكومة، فضلاً عن التعيينات على اختلافها، ما يجعل نقاط الإلتقاء والتفاهم بين مكوّنات البلد تكاد تكون معدومة وشكليّة أمام الكمّ الهائل من نقاط الخلاف والتّباعد والخصومات، وانفتاح السّاحة الداخلية على مصراعيها أمام أيّ تدخلات خارجية.

مؤخراً، قبل سنتين ونيّف، وتحديداً منذ طوفان الأقصى في 7 تشرين الأوّل (إكتوبر) من العام 2023، يعيش لبنان ومعه المنطقة تحت ضغوطات هائلة، ذلك أنّ نيران الحروب التي رافقت الطوفان وما تزال، وشملت في الأيّام الأخيرة المنطقة كلّها بلا استثناء، بشكل لم تعرفه من قبل، وتركت أسئلة وجودية ومقلقة حول مستقبل ومصير شعوب وبلدان كلّ المنطقة على اختلاف مكوناتها.

وإذا كانت الحرب الأهلية في لبنان (1975 ـ 1990) تركت خلفها آثاراً سلبية وجروحاً لم تندمل بعد، وآثارها ما تزال بادية، برغم أنّها اقتصرت على أرض الوطن الصغير، وسبقها وتخلّلها وأعقبها إعتداءات إسرائيلية عليه لم تتوقف يوماً، فإنّ الحرب الواسعة هذه الأيّام بسبب الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل معاً على إيران لم تترك بلداً في المنطقة يفلت من تأثيراتها عليه وستترك خلفها تداعيات سلبية وخطيرة عميقة، سياسياً وامنياً وطائفياً ومذهبياً وعرقياً وإقتصادياً وإجتماعياً، وموجات نزوح وهجرة، ودمار طال أغلب القطاعات، وانقسامات على كلّ الصّعد ستحتاج إلى سنوات وعقود من الزمن قبل ردمها وإزالة رواسبها.

Post Author: SafirAlChamal