من إسقاط النظام إلى إدارة الصراع.. كيف تبدّلت أهداف واشنطن في المواجهة مع إيران؟.. عماد عبدالمجيد 

شهدت المقاربة الأميركية تجاه إيران خلال المرحلة الأخيرة تحوّلات لافتة تعكس انتقالاً تدريجياً في الأهداف من الطموح الكبير إلى إدارة واقع أكثر تعقيداً. 

في بداية التصعيد، بدا أن واشنطن تراهن على سيناريو إسقاط النظام الإيراني أو دفعه إلى الاستسلام تحت وطأة الضغوط العسكرية والسياسية الهائلة التي رافقت التحشيدات الأميركية في المنطقة. 

غير أن مسار الأحداث أظهر أن هذه الأهداف القصوى لم تكن قابلة للتحقق بسهولة، ما دفع الإدارة الأميركية إلى خفض سقف طموحاتها تباعاً.

 

في المرحلة الأولى، ساد الاعتقاد في دوائر القرار الأميركي بأن الضغوط العسكرية والاقتصادية قد تدفع طهران إلى الرضوخ قبل اندلاع مواجهة واسعة. 

وقد عكست تصريحات المسؤولين الأميركيين في تلك الفترة ثقة واضحة بإمكانية فرض استسلام إيراني بفعل الحشد العسكري والتهديد باستخدام القوة.

لكن تطورات لاحقة قلبت المشهد رأسا على عقب، فاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي كان يُفترض أن يشكّل لحظة مفصلية تؤدي إلى انهيار بنية السلطة في طهران، لكن النتائج جاءت مغايرة تماماً، إذ لم يؤدِ ذلك إلى سقوط النظام، بل إلى إعادة ترتيب القيادة داخله وبسرعة قياسية.

في هذا السياق، برز اسم مجتبى خامنئي الذي تسلّم موقع القيادة كمرشد أعلى للثورة، وسط توصيفات بأنه أكثر تشدداً من سلفه. وقد عكس خطابه الأول طابعاً عسكرياً واضحاً، حمل رسائل تصعيدية متعددة، أبرزها التلويح باستمرار إغلاق مضيق هرمز، وهو ما يفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية عالمية خطيرة نظراً إلى الدور الحيوي الذي يلعبه المضيق في حركة تجارة الطاقة العالمية.

 

كما شدّد الخطاب على أن الرد الإيراني لن يكون انتقاماً لاغتيال المرشد فحسب، بل رداً على ما وصفه بالاعتداء على الشعب الإيراني نفسه، مع تأكيد واضح على استهداف القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، وتعكس هذه الرسائل انتقال إيران إلى استراتيجية ردع تقوم على توسيع دائرة المواجهة في حال استمرار التصعيد.

 

في المقابل، لم يكن المشهد الدولي متماسكاً بالكامل خلف القرار الأميركي، فقد أشارت تقارير إلى أن حلفاء واشنطن الأوروبيين لم تتم استشارتهم بشكل كافٍ قبل اندلاع الحرب، ما أثار امتعاضاً في بعض العواصم الأوروبية. ومع ذلك، أبدت هذه الدول لاحقاً قدراً من التعاطف مع الإدارة الأميركية، وإن كان مقروناً بقلق واضح من مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج قد تفتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة.

 

الانعكاسات الاقتصادية للحرب بدت سريعة وملموسة على المستوى العالمي. فقد شهدت أسواق الطاقة اضطراباً حاداً مع ارتفاع أسعار الوقود، ما دفع الولايات المتحدة وألمانيا واليابان إلى اللجوء إلى احتياطياتها الاستراتيجية من الطاقة في محاولة لاحتواء موجة الارتفاع.

 

أما داخل الولايات المتحدة نفسها، فتظهر مؤشرات متزايدة على تراجع التأييد الشعبي للحرب. إذ تشير بعض الإحصاءات التي تقوم بها مؤسسات أميركية رسمية إلى أن نحو 68 في المئة من الأميركيين لا يفهمون الأسباب والدوافع الحقيقية لهذه المواجهة، في حين لا تتجاوز نسبة المؤيدين للحرب 28 في المئة. ويعكس هذا الواقع حالة من الالتباس لدى الرأي العام الأميركي، خصوصاً في ظل غياب أهداف واضحة ومحددة للصراع.

 

وقد ترافق ذلك مع تصاعد الانتقادات للرئيس دونالد ترامب، لا سيما من قبل خصومه السياسيين وبعض الأوساط الإعلامية، الذين يرون أن الحرب تتناقض مع الشعارات التي رفعها خلال حملته الانتخابية. فشعار “أميركا أولاً” تحول إلى “إسرائيل أولاً”، فيما تحوّل وعد تحقيق السلام في الشرق الأوسط إلى حروب مدمّرة تزيد من تعقيد المشهد الدولي والإقليمي.

كذلك، فإن الوعود المتعلقة بتحقيق نمو اقتصادي وتحسين مستوى معيشة الأميركيين قد تلاشت في ظل ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط المعيشية على الطبقة الوسطى، الأمر الذي يفاقم حالة الغضب الشعبي ويزيد من حدّة الانقسام الداخلي.

 

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الاستراتيجية الأميركية قد انتقلت فعلياً من محاولة إسقاط النظام الإيراني إلى محاولة إضعافه، وصولاً إلى خيار ثالث أكثر واقعية يتمثل في إدارة الصراع والتعايش مع وجوده ضمن معادلات توازن القوة في المنطقة.  

هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لتعقيدات المشهد الإيراني والإقليمي، حيث لا تبدو الحلول العسكرية قادرة على تحقيق حسم سريع، بل قد تفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد تتجاوز حدود نطاقها إلى الاقتصاد والسياسة والأمن على مستوى العالم.

Post Author: SafirAlChamal