بين الخوف والخيانة: كيف يتحول النقاش حول الحرب إلى صراع على معنى السيادة!.. ماري قرطام 

في الحروب لا تختبر قوة الجيوش فقط، بل تكشف أيضاً هشاشة المجتمعات. ففي لحظات الخطر الكبرى يظهر السؤال الأقدم في السياسة: هل يتماسك المجتمع حول فكرة السيادة، أم يتحول الخوف إلى انقسام داخلي يضعف القدرة على الدفاع عنها؟.

في لبنان، حيث الحرب ليست حدثاً عابراً، بل تجربة متكررة في الذاكرة الجماعية، يعود هذا السؤال اليوم بقوة.

الحرب تولّد الخوف، هذه حقيقة إنسانية بسيطة يعرفها كل مجتمع عاش تجربة القصف أو التهديد الوجودي، لذلك من الطبيعي أن يشعر اللبنانيون بالخوف، وأن ينقسم الرأي العام بين من يرى ضرورة المواجهة ومن يخشى كلفة الحرب، وهذا أمر بديهي في علم الاجتماع السياسي وفي دراسات النزاعات. 

عندما تتعرض المجتمعات للقصف أو للتهديد الوجودي، يصبح الخوف استجابة إنسانية طبيعية، لذلك من المفهوم أن يشعر جزء من المجتمع اللبناني بالقلق أو بالتردد أو حتى بالانقسام بين خيار الدفاع وخيار تجنّب الحرب. 

هذا الانقسام ليس ظاهرة استثنائية؛ بل هو نمط معروف في المجتمعات التي تعيش حروباً غير متكافئة، حيث يتداخل الخطر العسكري مع الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

لكن ما يصعب فهمه ليس الخوف بحد ذاته، بل التحول من التعبير عنه إلى الانقلاب على مبدأ مقاومة احتلال الأرض، هنا ينتقل النقاش من مستوى العاطفة الإنسانية إلى مستوى الموقف السياسي. فبين القلق المشروع وبين تبني خطاب يساوي بين المعتدي والمعتدى عليه، أو يدعو إلى تفكيك أدوات الدفاع الوطني أثناء الحرب، مسافة سياسية وأخلاقية كبيرة. هنا ينتقل النقاش من مستوى العاطفة الإنسانية إلى مستوى الموقف السياسي. فالخوف رد فعل طبيعي، أما الطعن في شرعية مقاومة الاحتلال أثناء الحرب فهو موقف سياسي مختلف تماماً.

هذا النقاش يتقاطع أيضاً مع مسألة دور المقاومة في لبنان. يمكن للبنانيين أن يختلفوا سياسياً حول حزب الله، حول سياساته الداخلية أو الإقليمية، وهذا نقاش مشروع. لكن ما يجري اليوم يتجاوز هذا الجدل السياسي التقليدي. فالمسألة المطروحة في سياق الحرب ليست برنامجاً حزبياً أو مشروعاً سياسياً داخلياً،بل قضية مواجهة مع قوة تحتل أرضاً لبنانية وتمارس اعتداءات متكررة على السيادة.

ويرتبط هذا النقاش مباشرة بالمعادلة التي تشكّلت تاريخياً تحت عنوان “الجيش والشعب والمقاومة”. هذه المعادلة ليست مجرد شعار سياسي، بل هي انعكاس لترتيبات سياسية وقانونية نشأت في سياق الصراع مع إسرائيل. وقد تم تكريس حق لبنان في مقاومة الاحتلال ضمن عدة أطر قانونية وسياسية.

أول هذه الأطر هو القانون الدولي نفسه، الذي يعترف بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي. الإطار الثاني يتمثل في البيانات الوزارية المتعاقبة للحكومات اللبنانية منذ عام 2005، والتي كرّست حق لبنان في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن أرضه. كما أن اتفاق الطائف (1989)، الذي أعاد تنظيم النظام السياسي اللبناني بعد الحرب الأهلية، لم ينزع شرعية المقاومة ضد الاحتلال، بل ترك مسألة الدفاع الوطني ضمن إطار الدولة مع الاعتراف بخصوصية الصراع مع إسرائيل. 

أما الإطار الثالث فيرتبط بقرارات مجلس الأمن، وخصوصاً القرار 1701 (2006) الذي أنهى حرب تموز. وقد دعا هذا القرار إلى وقف الأعمال العدائية وإلى احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، كما أكد ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال محتلة، مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ووقف الخروقات الجوية والبرية للسيادة اللبنانية.

من هنا يصبح النقاش حول المقاومة في لبنان مرتبطاً مباشرة بمسألة الأراضي المحتلة والسيادة الوطنية. فوجود أرض محتلة يضع على الدولة والمجتمع مسؤولية الدفاع عنها. في هذه الحالة، يصبح الجدل حول أدوات الدفاع مشروعاً في زمن السلم، لكنه يتحول في زمن الحرب إلى مسألة أكثر حساسية، لأن تفكيك أدوات الردع أثناء المواجهة قد يؤدي عملياً إلى تكريس ميزان قوة غير متكافئ.

كثيراً ما يطرح في الخطاب الدولي أو الإعلامي أن الحل يكمن في أن يتولى الجيش اللبناني وحده مهمة الدفاع وأن يجري تفكيك سلاح المقاومة. لكن هذا الطرح يتجاهل واقعاً معروفاً حتى لدى المؤسسات الدولية نفسها: الجيش اللبناني مؤسسة وطنية أساسية، لكنه يعاني منذ عقود من محدودية كبيرة في القدرات العسكرية والموارد. لذلك فإن الافتراض بأن الدولة اللبنانية قادرة ببساطة على استبدال ميزان الردع القائم بقدرة عسكرية رسمية فورية هو افتراض نظري أكثر منه واقعياً. بعبارة أخرى، ما يبدو للبعض حلاً بسيطاً في الخطاب السياسي الخارجي يتجاهل التعقيد التاريخي والسياسي للنظام اللبناني وللصراع المستمر مع إسرائيل.

من بدأ الحرب؟

ان الحديث عن الحرب الحالية لا يمكن فصله عن التطورات التي تلت وقف إطلاق النار في 2024. فبعد هذا الاتفاق، لم تتحول الحدود اللبنانية إلى منطقة هادئة كما كان يفترض، بل شهدت سلسلة طويلة من الخروقات والانتهاكات. فقد وثّقت تقارير الأمم المتحدة وقوات اليونيفيل استمرار الغارات الجوية، والاغتيالات داخل الأراضي اللبنانية، والانتهاكات اليومية للأجواء اللبنانية، إضافة إلى توغلات محدودة واستهداف مواقع داخل الجنوب. 

هذا النمط ليس جديداً في الحرب الإسرائيلية على لبنان. فمنذ حرب 2006، وثّقت تقارير الأمم المتحدة آلاف الخروقات الجوية الإسرائيلية للسيادة اللبنانية. استمرار هذه الانتهاكات بعد وقف إطلاق النار يؤدي عادة إلى ما يسمى تآكل آليات الردع، حيث تصبح الاتفاقات الدولية غير قادرة على منع التصعيد التدريجي.

في هذا السياق، يصبح السؤال حول من بدأ الجولة الأخيرة من الحرب أقل أهمية من سؤال آخر أكثر عمقاً: كيف يمكن لدولة أن تحافظ على سيادتها في ظل استمرار الاعتداءات؟ لأن الحروب في مناطق النزاع الطويل لا تنفجر عادة من فراغ، بل تتراكم عبر سلسلة من الانتهاكات والاحتكاكات والتوازنات الردعية.

لذلك يمكن فهم خوف المجتمع، ويمكن فهم الانقسام حول كلفة الحرب، لكن ما يصعب تبريره هو تحويل هذا النقاش إلى مواجهة داخلية حول شرعية الدفاع عن الأرض. ففي لحظات الحرب، تتجه معظم المجتمعات إلى رصّ الصفوف، بينما تأتي المحاسبة السياسية بعد انتهاء المعركة.

قرار السلم والحرب

ما قد يكون مفهوماً على المستوى الشعبي لا يصبح بالضرورة مفهوماً عندما ينتقل إلى مستوى القرار الحكومي. فمن الطبيعي أن يخاف الناس، وأن ينقسم الرأي العام في زمن الحرب. لكن وظيفة الدولة ليست أن تعكس الخوف، بل أن تحمي السيادة.

لهذا السبب يطرح كثير من اللبنانيين اليوم سؤالاً مختلفاً: إذا كان الدفاع عن الأرض واجباً وطنياً، فكيف يمكن فهم بعض السياسات أو التعليمات التي تبدو وكأنها تستهدف من يقاتلون في مواجهة الاعتداءات؟ وكيف يمكن تفسير دعوات أو إجراءات تدعو إلى توقيف كل من يرتبط بالمقاومة أو ملاحقة من ينتمي إلى حزب الله في لحظة يفترض فيها أن تكون الأولوية لحماية البلد من الاعتداءات الخارجية؟

هنا يظهر التناقض الذي يثير قلق كثير من اللبنانيين: هل يمكن لدولة أن تطالب بالدفاع عن سيادتها، وفي الوقت نفسه أن تتعامل مع جزء من القوى التي تقاتل على الحدود وكأنها مشكلة داخلية يجب ضبطها؟

بهذا المعنى، لا يبدو أن الخلاف الحقيقي اليوم هو بين اللبنانيين أنفسهم، بقدر ما هو حول الاتجاه الذي تسلكه السياسة الرسمية. فحين يصبح النقاش حول المقاومة نقاشاً أمنياً أو إدارياً في لحظة حرب، يطرح السؤال الأكبر: هل انعكست الأولويات؟ وهل أصبح الخطر الداخلي أهم من الاعتداء الخارجي؟

في النقاش اللبناني اليوم، يكرر كثيرون أن الخوف الشعبي مفهوم، وأن الاختلاف السياسي طبيعي. لكن ما يثير القلق الحقيقي هو احتمال أن يتحول هذا الاختلاف إلى سياسة رسمية تُضعف فكرة الدفاع عن السيادة نفسها. ولهذا السبب، يرى كثير من اللبنانيين أن المشكلة ليست في المجتمع بقدر ما هي في كيفية إدارة الدولة للصراع. فالمجتمعات قد تخاف، وقد تنقسم، لكن مسؤولية الحكومات تبقى دائماً أن تحمي السيادة لا أن تضعفها.

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal