من حق رئيس الحكومة نواف سلام أن يمنح نفسه وحكومته العلامات التي يراها مناسبة من درجة “ممتاز” إلى “جيد ومتوسط”، وذلك بعد عامٍ على تولّيها المسؤولية، وأن يعرض أمام اللبنانيين جردة حساب يعتبرها حافلة بالإنجازات في ظروف استثنائية داخلياً وإقليمياً.
في المقابل، من حق اللبنانيين الذين عاشوا عاماً مثقلاً بالحرب والضغوط الاقتصادية والارتباك السياسي أن يقاربوا الأداء الحكومي بمعاييرهم هم، وأن يمنحوا ثقتهم أو يحجبوها استناداً إلى ما لمسوه فعلياً في حياتهم اليومية، وأن يقيّموا حكومة سلام ما بين درجة “مقبول” و”ضعيف”.
يتحدّث رئيس الحكومة عن بسط سيطرة الدولة على جنوب الليطاني للمرة الأولى منذ عام 1969، في استعادة رمزية لمرحلة ما بعد إتفاق القاهرة، لكن هذا الخطاب يصطدم بوقائع ميدانية لا يمكن تجاوزها، فالاحتلال الإسرائيلي لا يزال جاثما على النقاط الحدودية الخمس ويعمل على توسيعها، والاعتداءات لم تتوقف، وإقتحام البلدات وإختطاف المواطنين وتدمير ما تبقى من منازل بات خبزا يوميا مراً.
في غضون ذلك، تبدو الدولة عاجزة عن فرض معادلة ردع واضحة أو منع التصعيد. وبين الإعلان عن استعادة قرار السلم والحرب وبين القدرة الفعلية على حمايته أو تطبيقه مسافة شاسعة، تختصر جانباً كبيراً من الإشكالية القائمة بين الخطاب الرسمي والواقع.
على المستوى الدبلوماسي، لم تنجح الحكومة في وقف الحرب أو حتى في تقليص حدّتها، فيما تبرز انتقادات تتهمها بتقديم تنازلات غير مسبوقة والخضوع للضغوط الخارجية.
وبين من يعتبر أنّ الحكومة تتعاطى بواقعية مع موازين القوى الدولية، ومن يرى أنّها تفتقر إلى الصلابة السياسية الكافية، تبقى النتيجة واحدة في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين: الخسائر مستمرة، والمبادرات لا ترتقي إلى مستوى التحديات.
اقتصادياً، تبدو المعاناة أكثر وضوحاً، فالزيادات التي أُقرّت على الرواتب تآكلت سريعاً بفعل التضخم وارتفاع الأسعار، فيما جاءت الزيادات الارتجالية والعشوائية على البنزين والضريبة على القيمة المضافة لتضيف أعباء جديدة على المواطنين.
وفي هذا الاطار، ما يزال القطاع العام يعاني شللاً متكرراً، وموظفوه في الشارع احتجاجاً على ما يعتبرونه إنصافاً منقوصاً، بينما تتراجع القدرة الشرائية وتتعمّق الفجوة الاجتماعية. وفي ظل هذا المشهد، يصعب إقناع الرأي العام بأن مسار التعافي والاصلاحي يسير بالوتيرة المطلوبة.
في ملف الإصلاحات، تمضي الحكومة في التفاوض مع صندوق النقد الدولي وتخضع لإملاءاته باعتباره بوابة إلزامية لإعادة الانتظام المالي، غير أنّ منتقديها يرون أنّ الإصلاح لا يُختزل بشروط الصندوق، بل يبدأ بإجراءات داخلية حاسمة، من ضبط الحدود ومكافحة التهريب إلى تفعيل الجباية ومحاربة الفساد الإداري، ووضع اليد على كل ما يمكن أن يؤدي إلى التهرب الضريبي، فالإصلاح الذي لا يلمس جذور الخلل البنيوي يبقى، أقرب إلى استجابة خارجية منه إلى رؤية وطنية شاملة.
أما في ملف التعيينات، فعلى الرغم من إطلاق منصات إلكترونية والترويج لمعايير شفافة، بقيت الاتهامات بالمحاصصة السياسية حاضرة، ما أضعف صورة الحكومة الإصلاحية. وزاد من تعقيد المشهد بروز تباينات داخل مجلس الوزراء، ولا سيما في مواقف وزير الخارجية يوسف رجي التي أثارت غضبا واسعاً، لا سيما تلك التي تعطي الحق لإسرائيل بقصف لبنان وتختلق التحذيرات بضرب مطار رفيق الحريري الدولي، في ظل غياب موقف حاسم من الرئيس سلام يعيد التأكيد على التضامن الوزاري ويحصّن الخطاب الرسمي.
المتعارف عليه في لبنان أن حكوماته قصيرة العمر، وغالباً ما تُمنح السلطة مهلة المئة يوم الأولى لتقديم مؤشرات واضحة، وليس سنة كاملة.
ومع ذلك، اختارت الحكومة أن تقارب عامها الأول بوصفه محطة تقييم كبرى. غير أنّ شريحة واسعة من اللبنانيين ترى أنّ حصيلة السنة لم ترتقِ إلى مستوى الوعود، وأن ما تحقق بقي دون سقف التوقعات والطموحات، في ظل استمرار الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
بين رواية رسمية تتحدث عن إنجازات واستعادة دور الدولة، ورواية شعبية ترى مزيداً من التراجع في الثقة والسيادة والعدالة الاجتماعية، تتكرّس فجوة سياسية لا يمكن تجاهلها، خصوصا أن المسألة لم تعد سجالاً حول توصيف الأداء بين “جيد” و“ضعيف”، بل باتت مرتبطة بقدرة السلطة على إقناع المواطنين بأن التضحيات التي يقدّمونها تقود فعلاً إلى نتائج ملموسة.
يمكن القول، إن الحكم ليس بياناً وزارياً ولا مؤتمراً صحافياً ولا مقابلة تلفزيونية ولا شعارات ولا تنظيرات، بل هو ما يختبره الشعب اللبناني يومياً في أمنه ومعيشته وكرامته الوطنية والذي في حال خضع لتقييمه، فإنه قد يعطي علامة لحكومة نواف سلام بدرجة “ضعيف جدا”..






