قد نتفهم شخصاً ما أن يشهر موقفه من قضايا خلافية عامة أو خاصة، أو أن يرفض ويتعارض مع اتجاه سياسي أو عقائدي أو ديني كونه يملك الحق في حرية الرأي والتعبير – وهي في الأصل أكذوبة روّجتها جماعات الضغط بغية خلق أنماط واتجاهات جديدة بذريعة حقوق الإنسان – ولكن أن يصل الأمر بهذه الحرية إلى الانزياح نحو التمترس في خندق الشر والتنكّر للانتماء الوطني وخرق القوانين والأعراف السياسية والقضائية، وتسويغ الإرهاب والجريمة وضرب أبسط قواعد الحق الإنساني، فهذا يعني اصطفافاً بائناً لا يمت لحرية الرأي بصلة، خصوصاً إذا تضمن دعوة لقتل وإبادة قرينه في الوطن وشريكه في التاريخ والجغرافيا، وفي المقابل تبرئة المجرم الذي يجاهر علناً بنواياه ومخططاته العدوانية إزاء هذا الوطن وأهله ومؤسساته ويهدّد سيادته واستقلاله واستقرار دولته وسلامة أراضيه وحدوده.
لم يكن زلّة لسان ذلك الموقف الذي أطلقه الممثل أسعد رشدان بتبرئة بنيامين نتنياهو، رئيس أكثر حكومة إسرائيلية إرهاباً، من الدم اللبناني والفلسطيني والعربي عموماً، فهو معروف بآرائه الانعزالية الطائفية وتصريحاته العدائية بحق كل شخص أو جهة أو حزب يعارض السياسة الأمريكية أو يصنّف “إسرائيل” في خانة العدو، ووصل به الحنق إلى تحدّي وإهانة رئيس الجمهورية وكل ما هو لبناني في لهجة تبرز المضمر لديه، ولكنها في الوقت نفسه تكشف ملامح التوجّهات المعمّمة على العديد من الأبواق التي تسوّق للخطاب نفسه ولو بنسبة أقلّ حدة، إلا أنها كلها تؤدي إلى تظهير هدف واحد يقود إلى تفتيت النسيج الوطني واستعادة أجواء الحرب الأهلية وتكريس الانقسام وحال العداء الداخلي، وهكذا يصبح الحلّ وفق هذا الاتجاه بتطويب لبنان أرضاً ملحقة بـ “إسرائيل” وتحت المظلة الأمريكية.
نموذج رشدان ليس حالة خاصة بل جزءاً من ظاهرة متجدّدة تنامت بشكل كبير بعد حرب الإبادة التي شنّتها “إسرائيل” على قطاع غزة ولبنان في أيلول 2024 وما تزال مستمرة، والأصوات التي كانت خافتة نسبياً في مرحلة ما تحوّلت اليوم إلى موجة صادحة في حال انفلات أغرقت الفضاء اللبناني بتصريحات تدعو للتطبيع وتتبنّى السردية الإسرائيلية، وهذا “الانفلات” لا يعبّر عن مجرد آراء شخصية بقدر ما هو انعكاس لصراع الهويات السياسية وتحلل هيبة الدولة وغياب المحاسبة القانونية واالقضائية من قبل مؤسسات الدولة المعنية، ما دفع البعض للذهاب إلى أقصى التطرف في مواقفه السياسية، مع العلم بأن لبنان ما يزال رسمياً في حالة حرب مع “إسرائيل”، والقوانين اللبنانية صارمة جداً وواضحة في تجريم أي شكل من أشكال التعامل أو الترويج للعدو قولاً وفعلاً أو توهيناً للانتماء أو الكيان الوطني.
وهناك ثلاثة مراجع قانونية أساسية في هذا السياق هي: قانون مقاطعة “إسرائيل” الصادر في 23 حزيران 1955، و قانون العقوبات اللبناني، وخصوصاً المادة 295 وما بعدها، والتي تجرّم الأفعال التي تهدف إلى إضعاف الشعور القومي أو إثارة النعرات الطائفية والمذهبية في زمن الحرب، ونشر أنباء كاذبة أو مغرضة تهدف إلى النيل من هيبة الدولة أو إضعاف الروح المعنوية للجيش والشعب في مواجهة العدو، وكذلك المواد من 273 إلى 285 التي تندرج تحت باب “الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي”، وقانون القضاء العسكري الذي ينظر في جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة مع العدو، والأنشطة الإعلامية التي تروّج لبروباغندا العدو والتحريض على الفتنة. وتميّز القوانين اللبنانية بشكل دقيق جداً بين “حرية التعبير” و”التعامل مع العدو”، فبينما يحمي الدستور حرية الرأي، يعدّ قانون العقوبات أي كلام يضعف الروح الوطنية أو يخدم مصلحة العدو في زمن الحرب هو جرم جنائي يستلزم الاستدعاء والمحاسبة.
إن قراءة الحملات التي تروّج للعصر الأمريكي – الإسرائيلي لا تقف عند تصنيفها على أنها مجرد “وجهات نظر” عابرة، بل هي من منظور التحليل السياسي والاجتماعي ومن زوايا سيكولوجية تعدّ جزءاً من استراتيجية القوة الناعمة التي تسعى تفتيت الجبهة الداخلية وخلخلة العقيدة الوطنية، وتهدف إلى:
• كسر الحواجز النفسية، حيث إن الحملات المبرمجة تهدف إلى نقل فكرة “السلام مع إسرائيل” من خانة المحرّمات إلى خانة وجهات النظر القابلة للنقاش.
• التدرّج والاعتياد، حيث يبدأ الأمر بتصريحات فنية أو إعلامية تبدو “إنسانية” أو “محايدة”، ثم تنتقل لتبرير أفعال العدو، وصولاً إلى لوم الضحية، أي لبنان والمقاومة، وصولاً إلى إيصال الناس إلى حالة من “الاعتياد” على سماع هذه الأطروحات، فلا يعود يشعر بالصدمة أو الغضب تجاه خرق السيادة.
• توهين الحس الوطني، حيث تعتمد هذه الحملات على استغلال الأزمات الاقتصادية والسياسية الحادّة لربط “العداء لإسرائيل” بـ “الفقر والدمار”، وربط “التطبيع” بـ “الرخاء والاستقرار”، وتصوير السيادة الوطنية وكأنها “عبء” أو سبب في معاناة اللبنانيين، ما يسوّغ الانسياق خلف خطاب يرى في الاستسلام حلاً ناجعاً.
• تكريس التناقض الداخلي بدلاً من الاصطفاف الوطني، فبدل توجيه الغضب نحو المعتدي الخارجي، تنجح هذه الحملات في تحويل الصراع إلى صراع لبناني – لبناني، ويترافق هذا الفعل مع شيطنة الأطراف التي تتمسك بخيار المقاومة والعداء لـ”إسرائيل”، وتصويرها على أنها هي “المعتدية”، بينما يتم تصوير العدو في موقع المدافع، وهذا يمنع أي محاولة للوحدة الوطنية ويجعل الداخل اللبناني مكشوفاً أمنياً وسياسياً.
إن مثل هذه الحملات تهدف إلى “كيّ وعي” جماعي لانتزاع لبنان من محيطه وتاريخه في الصراع مع “إسرائيل”، وهو أمر يتجاوز حرية الرأي ليصبح أداة في المعركة تهدف إلى تجريد الدولة من حصانتها الفكرية قبل السياسية والعسكرية، وهذا ما يوجب على المؤسسات الرسمية المعنية ولا سيّما الأجهزة القضائية الضرب بيد من حديد لمواجهة هذا النوع من الغزو الفكري التي تستهدف تفتيت الجبهة الداخلية، كما على الأجهزة الإعلامية الرسمية أخذ دورها الطبيعي في الحدّ من هذه الحملات، فيما على الحكومة المبادرة إلى إقرار استراتيجية مضادة تعتمد على التحصين الرقمي، الثقافي، والقانوني.. إن المواجهة هنا ليست مجرد رد فعل، بل صناعة وعي بديل يعيد التوازن إلى الحسّ الوطني والتمسك بالسيادة، والحرية التي كفلها الدستور اللبناني تنتهي عند حدود الأمن القومي، كما أن التعبير عن الرأي لا يعني منح العدو شرعية أخلاقية لقتلنا، والاصطفاف الوطني اليوم هو المعركة الحقيقية، وصمود الكلمة لا يقل أهمية عن صمود الميدان.




