رومية على حافة الانفجار… انتحار جديد يفضح مأساة السجون!.. صبحية دريعي 

لم يعد ملفّ السجون في لبنان مجرّد تفصيلٍ أمني أو قضائي، بل بات مرآةً فاضحة لانهيارٍ بنيوي يطال مؤسسات الدولة كافة. 

سجون مكتظّة، موقوفون يُتركون لسنوات من دون محاكمات، ظروف إنسانية قاسية، وإدارة عاجزة عن احتواء انفجارٍ صامت يتراكم خلف الجدران. 

وفي صلب هذا الواقع القاتم، يبرز سجن رومية مجددًا إلى واجهة الأحداث، لا كاستثناء، بل كعنوانٍ دائم للاختلال المزمن في النظام السجني اللبناني.

 

فما إن يُذكر اسم سجن رومية، حتى يُقرن بحادثة مأساوية، تمرّد، إضراب، أو صرخة يأس من داخل الزنازين. واليوم، عاد السجن ليتصدّر المشهد مع انتحار أحد السجناء، في واقعةٍ تعيد فتح جراحٍ لم تلتئم، وتطرح أسئلة ثقيلة حول مصير آلاف الموقوفين العالقين بين انتظار العدالة والانهيار النفسي. 

هذا الانتحار ليس حادثًا فرديًا معزولًا، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الوقائع التي تؤكّد عمق الأزمة داخل السجون اللبنانية.

 

وفي التفاصيل، أعلنت لجنة أهالي السجناء في لبنان عن انتحار السجين اللبناني علي القادري (36 عامًا) داخل سجن رومية، مشيرةً إلى أنّه أنهى حياته نتيجة اليأس من تعطّل جلسات محاكمته بسبب الإضرابات المتكرّرة، وآخرها اعتكاف المساعدين القضائيين. وأفادت اللجنة بأنّ القادري كان موقوفًا في ملف عالق أمام محكمة بعبدا، وقد أمضى 61 شهرًا في التوقيف من دون أن يمثل أمام المحكمة ولو لجلسة واحدة، معتبرةً أنّ الحادث يشكّل جرس إنذار خطير حيال تداعيات الشلل القضائي على أوضاع الموقوفين.

 

وفي هذا السياق، قال المحامي محمد صبلوح في حديث إلى «سفير الشمال»: إنّ «الحالة التي كان يمرّ بها السجين الراحل ليست استثنائية، إذ يعاني عدد كبير من السجناء من ضغوط نفسية قاسية نتيجة الاكتظاظ وغياب المحاكمات، لا سيّما في ظل إضراب المساعدين القضائيين». وطالب بوقف الإضراب استثنائيًا، محذّرًا من أنّ «الوضع داخل السجون لم يعد يُحتمل، وأن استمرار التوقيفات الطويلة من دون محاكمات يدفع الأمور نحو الانفجار». 

وأضاف أنّ الأزمة «تتجاوز الحالات الفردية وتعكس خللًا بنيويًا في انتظام عمل المؤسسات القضائية»، محمّلًا الدولة والسلطات المعنية مسؤولية المعالجة العاجلة، ومشدّدًا على أنّ تكرار حالات الوفاة والانتحار داخل السجون يضع لبنان أمام مساءلة حقوقية جدّية في ظل التزاماته الدولية.

 

وفي شهادةٍ مؤلمة نقلها «سفير الشمال»، قال والد علي القادري بحرقة: «ابني لم يمت لأنه مذنب، بل لأنه تُرك منسيًا. أشهرٌ وأنا أتنقّل بين القصور والدوائر، أطرق الأبواب بلا جواب. كانوا يقولون لنا انتظروا… فانتظرنا، حتى دفنّا ابني».

 

حادثة انتحار علي القادري ليست رقمًا جديدًا في سجلّ السجون، بل صرخة مدوّية في وجه نظامٍ قضائي وأمني ترك الموقوفين رهائن الإهمال والانتظار القاتل. ومع كل روح تُزهق خلف القضبان، تتآكل صورة الدولة أكثر، ويصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إلى متى تُدار السجون بسياسة الصمت، ومن يتحمّل مسؤولية الأرواح التي تُدفع ثمنًا لتعطيل العدالة؟..

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal