نجيب ميقاتي.. حارس الإستقرار!.. 

خاص – سفير الشمال 

 

قدّم الرئيس نجيب ميقاتي في برنامج “هيدا أنا” مع الزميلة سمر أبو خليل على قناة “الجديد”، صورة رجل الدولة الذي اختار أن يعلو فوق الضجيج، وأن يتعامل مع أخطر المراحل اللبنانية بعقل بارد وقلب مشغول فقط بلبنان. 

 

هي إطلالة تلفزيونية لا تشبه الإطلالات العابرة، بل كانت شهادة سياسية وجدانية لرئيس حكومة خبر العواصف والأعاصير، وقرّر أن يكون جدار صدّ وردع وشبكة أمان.

 

في ملف رئاسة الحكومة بدا ميقاتي متعالياً عن الصغائر، متقدّماً على الانفعالات، لم ينجرّ إلى سجالات ولا إلى تصفية حسابات، بل قدّم نموذجاً نادراً في البراغماتية السياسية الهادئة، واضعاً مصلحة الدولة فوق الاعتبار الشخصي. وفي قضية “أبو عمر”، قرأ المشهد ببرودة العارف، فسمّى الأشياء بأسمائها: “ركاكة سياسية”، “تمثيلية متقنة”، و”محاولة إبتزاز”. وقد تجلى ذكاؤه السياسي حين تجاهل رسالة “الواتساب” من “أبو عمر”، وحين وضع السفير السعودي وليد البخاري في الصورة، مقدما بذلك نموذجا في الإدارة السياسية الواعية عندما يكون الهدف حماية الموقع لا استعراض القوة.

على الصعيد السني أعطى ميقاتي رؤية واقعية متقدمة تقوم على التعدد داخل الطائفة، مع تأكيد عمق العلاقة الوجدانية والتاريخية مع المملكة العربية السعودية، بوصفها قبلة سياسية ودينية وغطاءً عربياً أساسياً، من دون ارتهان أو تبعية، مؤكدا أننا لسنا ضعفاء، والتنوع قوة في طائفة تذخر بالطاقات.

إستذكر ميقاتي علاقته بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولم يكن كلامه عاطفياً فحسب، بل شهادة متبادلة بين رجلين من طينة الدولة كشفت إحترامه الكامل للرئيس الشهيد وثقة الحريري به لدرجة التمني بأن يخلفه في رئاسة الحكومة كونه رجل أصيل، ابن عائلة، قادر على حماية الإنجازات وعلى حفظ مقام رئاسة الحكومة، وقد إنسحب هذا الرقيّ في العلاقة السياسية على الرئيس سعد الحريري. 

في الملفات السيادية والأمنية، بدا ميقاتي في موقع رجل الإطفاء الوطني، مؤكدا أن حصرية السلاح هدف متوافق عليه، ومشددا على أن احترام سلاح المقاومة الذي حرر الجنوب لا يتناقض مع هذا التوافق، شرط التزام إسرائيل بالانسحاب ووقف الاعتداءات وإطلاق الأسرى وترسيم الحدود، مقترحا “العودة إلى إتفاق هدنة 1949، من دون تطبيع ومن دون إرتماء بحضن إسرائيل أو أن ترتمي هي بحضننا، بالتزامن مع سعي حثيث لبناء دولة تحمي نفسها بنفسها”، ما يعكس توازناً بين الواقعية السياسية والثوابت الوطنية. 

 

كشف الرئيس ميقاتي للزميلة سمر أبو خليل تفاصيل مثيرة من معركة حماية لبنان خلال الحرب، من تحييد بيروت، المطار، المؤسسات الحكومية، والبنى التحتية إلى الخيارات الاستراتيجية التي أنقذت لبنان من دمار شامل، حيث أن جهوده الدبلوماسية المكوكية، من أوروبا إلى العالم العربي، لم تكن سياحة سياسية، بل سباقاً محموما مع الوقت لتجنيب لبنان المزيد من الدم والنار. كما كشف كيف وُلد إعلان وقف إطلاق النار بضمانة أميركا وكيف سقط مع تبدّل إدارتها، واضعا اللبنانيين أمام حقيقة مرة، مفادها أن لبنان كان ضحية مزاج سياسي دولي متقلب، وغطرسة إسرائيلية مستمرة ورغم ذلك بذل كل ما بوسعه لأن يكون الدرع الحامي لهذا الوطن، معتبرا أن إغتيال السيد حسن نصرالله بالنسبة لمن معه أو ضده كان خسارة كبرى. 

 

في علاقاته السياسية، قدّم ميقاتي نموذجاً نادراً في التعاطي الإيجابي، تناغم مع رئيس الجمهورية جوزيف عون الرجل الجنوبي الوطني المتمسك بكل حبة تراب، حكمة مع الرئيس بري أستاذ السياسة اللبنانية، ودّ مع الرئيس نواف سلام، صداقة مع وليد جنبلاط، تواصل مع سمير جعجع وجبران باسيل، تفاهم مع فيصل كرامي، واحترام للجميع من دون مسايرة أحد على حساب الدولة. حيث قالها بوضوح: “عندما أكون رئيس حكومة أنظر إلى كل لبنان. وليس في قاموسي إنتقام، أو ثأر، أو حقد أو كيدية أو تصفية حسابات، مستعينا بقول الشاعر “لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب”.

في الشأن الاقتصادي، لم يبع ميقاتي أوهاماً، بل صارح اللبنانيين بأن قانون الفجوة المالية فيه ما هو جيد وفيه ما يحتاج إلى دراسة، وأن الودائع لن تعود إلا في جزء منها المتعلق بالمئة ألف دولار، وأن الدولة في نهاية المطاف مسؤولة. 

 

كشف برنامج “هيدا أنا” جانبا من الحياة الشخصية للرئيس ميقاتي الزوج، الأب، الجد، والأخ. فتحدث بكل الحب عن زوجته ميّ “تاج الرأس”، وعن أولاده وأحفاده، وعن شقيقه الحاج طه الذي يشكّل مرجعية العائلة، وله الكلمة الفصل في كل الأمور، مقدما وجهاً آخر لرجل السياسة: إنسان ابن بيت وقيم، يعمل بوصية والده أن الالتزام الديني يُترجم في المسجد أو البيت وخارجهما تكون الترجمة مع الناس بالمعاملة، ومقدما قاعدة ذهبية لتماسك العائلة وهي “إحتضان الكبير للصغير وإحترام الصغير للكبير”. 

ختام الحوار، كان لطرابلس المدينة التي يسكنها وتسكنه، “مهدي ولحدي”، قالها بلا تكلّف، وفاؤه للفيحاء ليس شعاراً للانتخابات التي لن يخوضها شخصيا، بل التزاماً أخلاقياً وإجتماعياً وإنسانيا.

 

هذا هو نجيب ميقاتي كما ظهر: سنّي، طرابلسي، لبناني، وطني، مؤمن، ورجل دولة حاول في أحلك الظروف أن يحمي لبنان. 

قد يختلف معه البعض، وقد يُهاجَم كلما صعد نجمه، لكن ما لا يمكن إنكاره أنه في زمن الانهيار، اختار أن يكون حارس الاستقرار والسيادة، وهذا، في بلد كلبنان، بطولة إستثنائية بحد ذاتها.

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal