لم تكن العلاقة يوماً بين الإسلاميين والفكر المقاوم علاقةً عابرة، بل إن المقاومة بمضامينها الفكرية والمنهجية والتنفيذية داخلة في صميم حياة الإسلاميين بغض النظر عن مرجعياتهم الفكرية أو التنظيمية، أو حتى الفقهية والسياسية.. فالتغيير والإصلاح ومجاهدة النفس ابتداءً ثم الإعداد والقوة والجهاد، وصولاً إلى النصر أوالشهادة نهايةً، هي كلها مدار بناء الشخصية الإسلاموية بغض النظر عن فقه الأولويات، أو فقه المرحلة أو حتى فقه الممكن الذي يلجأ إليه البعض في تكوين خط سيره، فيأخذ ببعضه أو يترك بعضه الآخر تبعاً للظروف والضرورات المحيطة.
فتعاطي الإسلاميين بشأن قضية مركزية كقضية فلسطين أو القدس يختلف في أدبياتهم عن تعاطيهم بشأن حاكم مستبد فاسد يقبع فوق رؤسهم ويسومهم العذاب في السجون، هذا لناحية القضية، كما أن الظروف الجيوسياسية تختلف من بلد لآخر من حيث الإهتمام وفرضية الحراك، فالإسلاميون في البلاد الإسلامية يختلفون في تكليفهم عن الإسلاميين في بلاد الإغتراب والهجرة .. إضافة إلى الإنتماءات التنظيمية والحزبية والمواقف الفقهية والسياسية التي تتبناها التنظيمات مركزياً أو وطنياً، فالبناء الفكري والسياسي عند الإخوان المسلمين والجماعات المنضوية في أجوائها يختلف عن البناء الفكري عند حزب التحرير، أو جماعة التبليغ أو عند السلفيين، أو حتى عنها عند الجماعات الجهادية التي قامت في مصر والجزائر مثلاً في تسعينيات القرن الماضي، فتصدرت المشهد آنذاك… وكل يعتبر أنه يقاوم ويذود عن حياض الأمة ..!!
لا شك في أن المراحل التاريخية الحديثة تختلف في ظروفها الموضوعية تجاه المحاولات المختلفة والمتعددة وربما المتناقضة في بعض تفاصيلها في تجارب المقاومة وكلها كانت تترافق مع ظروف مواجهة الإعتداءات والإحتلالات المتكررة، الفرنسية في لبنان وسوريا، البريطانية في مصر، الإسرائيلية في فلسطين ولبنان، الأميركية في العراق، الروسية في افعانستان، دون أن ننسى ما يحصل في كل من القارتين الهندية والإفريقية. هذا على مستوى الإحتلال وقوى الإستعمار.
في موازاة ذلك شهدت الدول العربية، خاصة في العقود الأخيرة، محاولات بعضُها باء بالفشل كمحاولات تغيير النظام في مصر، وبعضها كتب لها النجاح، كما في سوريا، مع الأخذ في الإعتبار تجارب كل من ليبيا واليمن وتونس .. حيث تمت الإطاحة فيها بالأنظمة الحاكمة دون إمكانية تحديد الدور الدقيق للمقاومة أو فيما إذا كانت هذه المقاومة قد نجحت هي في تسلم الحكم أو أوصلت البلاد إلى حالة من الإستقرار والعدل التي وعدت به أثناء عملها المقاوم، هذا إن أحسنا بها الظن .
الآن في 2026 ، من الظاهر أن هذه التجارب كلها تخوض مرحلة حساسة ومتقدمة من المراجعة والتقدير في الموقف بعد التقدم الذي شهدته التجربة الأخيرة في فلسطين لناحية أدوات العمل والقدرة على الثبات والحصول على التضامن الدولي مقابل الخسارة الكبيرة في القيادات السياسية والميدانية والبنى التحتية، وبالتوازي سجل خرق أمني واضح وموجع عند البعض الآخر، فيما نجح آخرون عبر الإنخراط في الصفقات الدولية بغية تحقيق أهداف لم يكن يُعتقد أنها كانت لتحققه منفردة بالحديد والنار .
هذه التجارب الثلاث (حماس في غزة، حزب الله في لبنان، أحمد الشرع في سوريا) وإن كانت تختلف في ظروفها الموضوعية وتتعارض في أهدافها لكنها حصلت في نفس الفترة ولا شك أن بعضها استند أو تسبب أو استفاد من بعضها الآخر، وهي بلا شك بحسب مراقبين، محل تفنيد ودراسة وإعادة نظر.
هذا كله سيعيد الإسلاميين بطبيعة الحال، للإهتمام بالملفات الأخرى الأساسية أي لإعادة الإهتمام بالبنى التحتية الأساسية، الإجتماعية والتربوية والإنسانية ( وهي بالمناسبة محل إهتمام التجارب الثلاث حالياً ) وهذا ما يعتقد أنه سيأخذ حيزاً مهماً أثناء الإستراحة، فهل هي إستراحة المحارب أم سنشهد تغييراً في تكتيكات المواجهة الإستراتيجية خاصة بالنظر إلى التطورات التقنية المهولة التي غيرت قواعد التحكم والسيطرة ؟؟
هنا مربض الفرس..




