لم يمرّ قرار وزير الخارجية يوسف رجي بتعيين طنوس قبلان القبعيتي قنصلاً عاماً للبنان في ملبورن بدلا من القنصل رامي حامدي (من طرابلس) مرور الكرام، لا في أوساط الجالية اللبنانية الاسلامية الواسعة في أستراليا، ولا في الداخل اللبناني، حيث فتح هذا التعيين مجدداً ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بضرب التوازن الطائفي والوطني تحت عناوين وهمية من نوع “الكفاءة” و”الإصلاح”.
عبرت الجالية اللبنانية في ملبورن ـ أستراليا، والتي تضم شريحة كبيرة وفاعلة من أبناء الطائفة السنية، بوضوح عن استيائها من قرار استبدال قنصل مسلم سنّي بقنصل مسيحي محسوب سياسياً على خط وزير الخارجية نفسه، حيث كان تاريخيا في أستراليا السفير اللبناني مسيحي من طائفة الروم الأرثوذكس، وقنصل عام سيدني ماروني، وقنصل عام مالبورن سني، وقد تم إستبدال السفير ميلاد رعد بالسفيرة ميرنا الخولي (أرثوذكسية من الكورة) وقد تم إستبدال قنصل عام لبنان في سيدني الماروني شربل معكرون بالماروني ريمون سليم الشملاني، في حين إستبدل قنصل عام مالبورن السني رامي حامدي بالماروني طنوس قبلان القبعيتي.
وهو ما اعتُبر خطوة إضافية في مسار منهجي تتبعه الحكومة الحالية لتفريغ مواقع سنّية أساسية، في الداخل والخارج، لمصلحة موظفين من طوائف أخرى، من دون أي مراعاة للخصوصية التمثيلية ولا للأعراف التي قامت عليها الإدارة اللبنانية منذ اتفاق الطائف.
الأخطر من القرار بحد ذاته هو السياق الذي أتى فيه، فبحسب إحصاءات غير رسمية متداولة في أوساط إدارية ونيابية، فإن نسبة كبيرة من المواقع العائدة للطائفة السنية شغرت منذ تولّي حكومة نواف سلام مهامها، إما عبر الإحالة إلى التقاعد، أو عبر تعيين بدلاء من طوائف أخرى تحت ذرائع واهية وغير مقنعة.
هذا المعيار، الذي يرفعه رئيس الحكومة السني نفسه، يُطبَّق بانتقائية لافتة، ففي حين تُمنح سائر الطوائف “حقوقها كاملة وزيادة”، كما يقول أكثر من مصدر إداري، تُترك المواقع السنية للنزف البطيء، من دون أن يُحرّك الرئيس نواف سلام ساكناً، وكأن ما يجري لا يمسّ جوهر الشراكة الوطنية ولا يهدد التوازن الدقيق الذي يقوم عليه النظام اللبناني.
ولعلّ المثال الأوضح على هذا الخلل الفاضح هو ما جرى في ملف التفرغ في الجامعة اللبنانية، حيث أظهرت الأرقام أن عدد الأساتذة المتفرغين من الشيعة فاق عدد الدكاترة السنّة بنسبة 15 في المئة، فيما تجاوز عدد المسيحيين نظراءهم السنّة بنحو 5 في المئة.
أرقام لا يمكن تفسيرها بالكفاءة وحدها، ولا يمكن فصلها عن منطق المحاصصة المقنّعة الذي يُستخدم حين يخدم فريقاً معيناً، ويُستبدل بخطاب “الدولة المدنية” حين يُراد إقصاء فريق آخر.
واللافت أنه عندما زار الرئيس سلام المجلس الاسلامي الشرعي الأعلى سمع كلاما بهذا الخصوص عن حقوق السنة في الادارة، لكنه رد بعصبية زائدة بأنه يريد إلغاء الطائفية السياسية لمصلحة الكفاءة، ما ترك أثرا سلبيا جدا لدى أعضاء المجلس الذين إعتبروا أن شعارات رئيس الحكومة لا تطبق إلا على الطائفة السنية، بينما الطوائف الأخرى تسرح وتمرح في التعيينات، وإن كان سلام يدري فتلك مصيبة وإن كان لا يدري فالمصيبة أعظم!..
ترى مصادر سياسية سنية مواكبة إن الاستمرار في هذا النهج لا يهدد فقط موقع الطائفة السنية في الدولة، بل يضرب أسس الاستقرار الوطني ويقوّض الثقة بأي خطاب إصلاحي تدّعيه الحكومة. فالإصلاح لا يكون بالاستنسابية، ولا ببناء دولة على حساب شريك أساسي فيها، ولا بتغطية خيارات سياسية ضيقة بشعارات فضفاضة.
ويبقى السؤال الأبرز: إلى متى يستمر هذا الصمت السني؟ وهل يدرك أصحاب القرار أن اللعب بالتوازنات ليس تفصيلاً إدارياً، بل وصفة مؤكدة لمزيد من الانقسام والاحتقان في بلد لم يعد يحتمل أية مغامرات؟.




