أمام جموح ترامب ونتنياهو قوى المقاومة حاضرة وقادرة على الفعل والمبادرة!!.. وسام مصطفى

مطلع العام 2026 أقرّت الإدارة الأمريكية استراتيجية جديدة للأمن القومي تبنّت فيه ما يسمّى بـ “ملحق ترامب” لعقيدة “مونرو”، بما يمنح واشنطن الحق في التدخّل المباشر في أي قضية “تهدّد الأمن الأمريكي”، ولم تعد حدود هذا التدخّل محصورة جغرافياً بغرب الكرة الأرضية (الأمريكيتين) التي تعدّها واشنطن امتداداً أمنياً لها، بل باتت تشمل المبادرة إلى التدخّل العسكري المباشر، ولئن سوّغ دونالد ترامب قرصنته لفنزويلا باختطاف رئيسها نيكولاس مادورو بذريعة مكافحة المخدرات، إلا أن ما وراء أكمة هذا الفعل يفضح الأهداف الأمريكية الكبرى، وأهمها:

ـ قطع كل أشكال النفوذ السياسي والاستثمار الطاقوي لدى روسيا والصين في أمريكا الجنوبية.

ـ حصر توزيع الثروات الطبيعية إلى العالم كلّه بيد ترامب بما يجعله رئيس كارتيلات النفط والمعادن.

ـ توسيع نطاق الهيمنة الأمريكية تدريجياً باتجاه السيطرة على الأسواق الاستهلاكية العالمية.

ـ توظيف حصرية التحكّم الأمريكي الاقتصادي والتجاري والمالي في تكريس الإمساك بالقرار العالمي.

ثمة من يرى في سلوك ترامب وإدارته أنه ينحو إلى التخلّي عن لعب دور “الشرطي العالمي” باتجاه تركيز الهيمنة على القارة الأمريكية، وأنه يعتمد سياسات المساومة والتفاوض التجاري لتطبيقها في المعادلة الجيوسياسية في العالم، فيمنح حرية القرار لروسيا بشأن أوكرانيا وكذلك للصين بشأن تايوان، ويطلق يد “إسرائيل” في ما يسمى منطقة الشرق الأوسط وصولاً إلى منطقة الخليج وإيران، إلا أنه يبقي مقاليد السيطرة والتحكّم بيده ليعيد تشكيل الخارطة العالمية وقت ما يشاء بما يتوافق مع المصالح الأمريكية، وهو يؤمن بأن خطابه الزاخر بعبارات التفوّق والقوة يؤتي أُكُله في تطويع المتمرّدين أو المعترضين، وفي الوقت نفسه يوعز بفتح قنوات دبلوماسية تحت الطاولة أو فوقها وتفعيلها نحو الحل لإظهار نفسه “بطل السلام” لا الحرب.

في المحصّلة فقد ابتدع ترامب سياسة جديدة لا ديمقراطية، واستبدلها بسياسة نفعية خالصة لا تهتم كثيراً بشكل الأنظمة السياسية المعادية أو الحليفة بقدر ما تكون قريبة من أمريكا وبعيدة من الصين، وهذا يشجّع كيانات وأنظمة إرهابية كـ”إسرائيل” للتغوّل أكثر في اعتداءاتها وجرائمها بحق المنطقة وشعوبها، بل قد يسهم ذلك في تشكيل أنظمة جديدة تتبنّى المنهج الترامبي نفسه فتتحوّل إلى كيانات هجينة تحمل السمات الأمريكية، ومن هنا يمكن أن نفهم إصرار بنيامين نتنياهو على استخدام تعابير التماثل بين أمريكا و”إسرائيل” في خطابه أو خلال لقاءاته بترامب، وبذلك لم يعد الرهان حبّ ترامب أو بغضه لنتنياهو أو غيره، بل في مدى التوافق على الأهداف والنتائج.

في المقابل ثمة من يطرح المقاومة مفهوماً تطبيقياً ونهجاً فاعلاً في تشكيل معادلات القوى المحلية والاقليمية والعالمية، وهي التي استطاعت فرض نفسها في ميزان الصراع القدري بين قوى الهيمنة وحركات التحرّر، حيث أحبطت الكثير من المشاريع التي وضعتها قوى الاستعمار الأوروبي مطلع القرن العشرين ولا سيّما في لبنان وفلسطين، وحالت دون الإطباق على دول المنطقة وتنفيذ مخطّطاتها على الرغم من الاحتلال والحروب والمجازر المهولة التي ارتكبتها “إسرائيل” بحق شعوب المنطقة على مدى عشرات السنين بدعم أوروبي سابقاً وأمريكي حالياً، وأكّدت التجارب الميدانية ومحطات المواجهة أن هذا الكيان العدواني لا يمتلك تفوّقاً نوعياً أو عناصر قوة ذاتية بل يعتمد في الأساس على ما توفّره له قوى الهيمنة التي تستخدمه أداةً لتنفيذ مشاريعها في المنطقة والعالم.

قد يوحي جموح واشنطن نحو ابتلاع العالم أن ليس هناك من قوة قادرة على إيقاف المحدلة الأمريكية التي تهدّد بمسح الأرض، وأن نتنياهو الذي يستغلّ الجنون الترامبي لن يردعه شيء دون المضي قدماً نحو تحقيق الأوهام التوراتية من الفرات إلى النيل، خصوصاً مع انحدار فعالية الدور الأوروبي وحضوره والاستنزاف الروسي في حرب أوكرانيا والتموضع القلق للصين وسط كيانات معادية لها ومدارة من قبل واشنطن، إلا أنه وبعيداً عن الأثر النفسي الذي تحدثه ضوضاء التصريحات الأمريكية والإسرائيلية فإن حضور المقاومة في المحاور الاستراتيجية ما يزال قوياً وفاعلاً وقادراً على قلب المعادلات وما يزال قادراً على الفعل والمبادرة.

إن من يبني على نتائج الحرب الكونية على غزة ولبنان وتداعياتها الثقيلة على المقاومة ينطلق من حسابات مادية بحتة في تصوّر المرحلة المقبلة على مستوى موازين القوى، إلا أن الحقيقة الواقعية تفيد بأن المقاومة في كل من فلسطين ولبنان واليمن وعلى امتداد المنطقة ما زالت حاضرة وقادرة على الفعل والصمود والتغيير، فالمواجهات الأسطورية التي خاضتها المقاومة على مدى 66 يوماً وتسمير جنود الاحتلال عند الحدود، وكذلك هزيمة “إسرائيل” في حرب الـ 12 يوماً على إيران وفشل أهدافها أسقطت مقولة التفوّق الأمريكي – الإسرائيلي، وعلى الرغم من الترسانة العسكرية الضخمة التي تروّع بها أمريكا و”إسرائيل” العالم تبقى خاصّية الصمود وإرادة التحرير أقوى من كل سلاح.

 

 

Post Author: SafirAlChamal