على وقع انهيارٍ مفاجئ لمبنى في ضهر المغر أعاد الخوف إلى شوارع المدينة، وجدت طرابلس نفسها أمام مشهدٍ قديم ـ جديد، يُجسّد واقع الإهمال المزمن: مبانٍ متصدّعة تتحوّل إلى أنقاض، وعائلات تُجبر على مغادرة بيوتها من دون أي بديل واضح.
في منطقة ضهر المغر، انهار أحد المباني بشكل كامل بعد تصدّعات خطيرة كانت قد أصابته، ما أدخل الأهالي في حالة هلع، ودفع إلى إخلاء العائلات القاطنة في محيطه، وسط مخاوف جدّية من انهيارات إضافية في الأبنية المجاورة، التي يعاني عدد كبير منها من تشققات واضحة وتصدّعات خطرة.
“سفير الشمال” كانن في موقع الحادث، حيث عاينت المبنى المنهار عن قرب، واطّلعت على حجم الدمار، واستمعت إلى شكاوى الأهالي الذين عبّروا عن خوفهم من تكرار السيناريو نفسه في أي لحظة، في ظلّ واقع عمراني هشّ وغياب المعالجة الجدية.
ويقول سكان المبنى إنهم وجدوا أنفسهم فجأة خارج منازلهم، من دون مأوى أو خطة واضحة لإيوائهم.. “ما في محل نروح عليه طلعنا من بيوتنا وما معنا شي”، فيما أكدت عائلات أخرى أنها خسرت منازلها التي شكّلت ثمرة سنوات من التعب، لتتحوّل بين ليلة وضحاها إلى مشرّدين ينتظرون حلاً مؤقّتًا أو مساعدة عاجلة.
وفي إطار الاستجابة الطارئة، جرى تأمين المعهد الفندقي في الميناء لاستقبال العائلات المتضرّرة، كحلّ مؤقّت بانتظار إيجاد معالجة شاملة تضمن سلامة الأهالي وتوفّر لهم الحدّ الأدنى من الاستقرار، في وقتٍ يؤكد فيه المواطنون أن الحلول الظرفية لم تعد كافية.
في هذا السياق، حذّر رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة من خطورة الوضع العمراني في المدينة، كاشفًا أن المسح البلدي أظهر وجود أكثر من 600 مبنى مهدّد بالانهيار في طرابلس، موزّعة على عدد كبير من الأحياء، ولا سيما القديمة منها والمكتظّة بالسكان.
وأكد كريمة أن البلدية، بإمكاناتها المحدودة، غير قادرة وحدها على معالجة هذا الملف، مطالبًا الحكومة اللبنانية بتأمين أموال دعم عاجلة لطرابلس، لتمكينها من تنفيذ أعمال التدعيم والصيانة، وتأمين الإيواء الآمن للعائلات المهدّدة، قبل وقوع كوارث أكبر.
ويُحذّر الأهالي في ضهر المغر من أن الخطر لا يزال قائمًا، إذ إن عدداً من المباني المحيطة بموقع الانهيار تعاني تصدّعات مشابهة، ما يجعل المنطقة بأكملها مهدّدة، خصوصًا في ظلّ غياب أي خطة وقائية أو خطوات عملية لمعالجة ملف الأبنية الآيلة للسقوط.
ويعبّر هؤلاء بمرارة عن شعورهم بأن ملف المباني المتصدّعة لا يتحرّك إلّا عند وقوع الكارثة، أو عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يُتقن المسؤولون الظهور بمظهر الحريص على سلامة الناس، وتكثر الجولات والتصريحات، قبل أن يعود الصمت سيد الموقف فور انتهاء الانتخابات.
طرابلس اليوم لا تحتاج إلى وعود جديدة، بل إلى قرارات فورية وتمويل فعلي، قبل أن تتحوّل الانهيارات من حوادث متفرّقة إلى مأساة شاملة أو كارثة وطنية يدفع ثمنها سكان مدينةٍ تُركت طويلاً على حافة السقوط.

Related Posts







