السعودية… الأمر لي!.. د. عاصم عبد الرحمن

ما أنجزته السعودية في اليمن خلال أيام يتجاوز كونه تقدّمًا ميدانيًا أو إعادة تموضع سياسي؛ إنه كسر مباشر لإحدى أخطر الاستراتيجيات الإسرائيلية في المنطقة: استراتيجية تفكيك الدول من أطرافها، والتحكّم بالممرات البحرية عبر كيانات هشة ووظيفية منزوعـة السيادة.

التقدّم باتجاه عدن، وحسم موقعها في معادلة الشرعية، لا يستهدف إنهاء التمرّد الانفصالي في الجنوب فحسب، بل يوجّه ضربة قاصمة لمشروع الربط الإسرائيلي بين مينائي بربرة وعدن. ذلك المشروع الذي لم يكن اقتصاديًا كما يُروَّج له، بل أمني – جيوسياسي يهدف إلى تطويق البحر الأحمر وخنق العمق العربي من خاصرته البحرية.

إسرائيل راهنت طويلًا على جنوب يمني منفصل، هشّ، متنازع الشرعية، ليكون حلقة وصل لوجستية واستخباراتية، ونقطة نفوذ دائمة خارج أي سيادة وطنية. وما فعلته السعودية هو إسقاط هذا الرهان من جذوره، وإعادة عدن إلى موقعها الطبيعي: مدينة داخل دولة، لا منصّة لمشاريع الخارج ولا بوابة اختراق إقليمي.

مفاعيل إعادة الضبط السعودية لا تتوقف عند اليمن.

انهيار النموذج الانفصالي في عدن يبعث رسالة شديدة الوضوح – وخطيرة بالنسبة لتل أبيب – إلى كل ساحات التفكيك الأخرى:

من شرق المتوسط، إلى شمال سوريا، إلى القرن الإفريقي، حيث تقوم الفكرة الإسرائيلية على استنساخ كيانات أمر واقع، تتغذّى على الهويات الفرعية، وتُدار من خلف الحدود وتحت عناوين مضلِّلة.

الأهم أن هذه الخطوة تفتح، لأول مرة، إمكانية حقيقية لتوحيد القوى السياسية والعسكرية اليمنية تحت مظلة الشرعية، ما يعني أن الحوثي لم يعد يواجه خصومًا متنافرين، بل مشروع دولة في طور الاستعادة. وهذا التحوّل يضرب في الصميم الاستراتيجية الإيرانية التي ازدهرت طويلًا على أنقاض الانقسام والتشظي.

السعودية، من دون حرب شاملة، ومن دون كلفة إنسانية كبرى، حققت ما عجزت عنه سنوات من الصراع المفتوح، حيث أسقطت مشروع الانفصال.

وأغلقت نافذة التغلغل الإسرائيلي، وأربكت الحسابات الإيرانية، ورسّخت معادلة أمن قومي عربي تبدأ من اليمن ولا تنتهي عند حدوده.

ما يجري في اليمن اليوم ليس “إدارة ملف داخلي”، بل معركة على شكل المنطقة. ومن يفشل في قراءة ما حدث في عدن، سيفشل حتمًا في فهم ما سيسقط لاحقًا في ساحات أخرى.

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal