لم يكن فندق “الكومودور” مجرد عنوان في شارع الحمراء، بل مساحة وُلد فيها الخبر قبل أن يعرف طريقه إلى العالم. بين جدرانه، تعلّم الصحافيون كيف تُكتب الحروب سطرًا سطرًا، وكيف تتحوّل مدينة محاصَرة إلى مادةٍ يومية على شاشات العالم.
في العاشر من كانون الثاني، يستعد “الكومودور” لإطفاء أنواره للمرة الأخيرة ليس بسبب الحروب هذه المرة بل بسبب الأزمة المالية وفي نظرة على أبرز المحطات التي شهدها الفندق اليكم اهمها:
شُيّد الفندق عام 1943، متزامنًا مع ولادة استقلال لبنان، وفي مرحلة كانت فيها بيروت ترسّخ نفسها عاصمةً للصحافة والحريات في الشرق الأوسط والعالم العربي. منذ بداياته، لم يكن “لو كومودور” مجرّد فندق، بل مساحة التقت فيها السياسة بالإعلام، ومرآة لتحولات بلدٍ لم يعرف الاستقرار طويلًا.
عام 1975، مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، تحوّل “الكومودور” إلى ملاذٍ آمن للصحافيين الأجانب الذين توافدوا إلى بيروت لتغطية صراعٍ سرعان ما صار محور اهتمام العالم. في غرفه كُتبت التقارير الأولى، وعلى طاولاته صيغت الروايات التي عرّفت العالم إلى مأساة لبنان.
في السادس من حزيران 1982، اجتاح العدو الإسرائيلي لبنان تحت مسمى “عملية سلامة الجليل”، لتتحول العملية سريعًا إلى حصار خانق لبيروت الغربية استمر سبعين يومًا من القصف المتواصل. خلال ذلك الحصار، قُصف فندق الكومودور ثلاث مرات، لكنه بقي صامدًا، كما المدينة التي احتضنته.
عام 1984، تصاعدت موجة خطف الأجانب في بيروت، وفي آذار 1985 اختُطف أحد الصحافيين الأجانب بعد مغادرته الفندق. ومع تزايد عدد الرهائن وتدهور الوضع الأمني، أُقفل “الكومودور” في منتصف الثمانينيات، لتغيب إحدى أيقونات الصحافة الحربية عن المشهد.
ومع انتهاء الحرب الأهلية، عاد الفندق ليستعيد روحه، كما بيروت التي نهضت من تحت الركام. عاد الكومودور عنوانًا للصحافيين والمراسلين، واستعاد مكانته كجزء لا يتجزأ من ذاكرة المدينة.
لكن مع بداية الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ضربت لبنان، خسر الفندق صخبه وحيويته، وبات يرزح تحت وطأة الانهيار المالي، كغيره من فنادق العاصمة. ثم جاءت جائحة كورونا لتُعمّق الجراح فتراجع الحضور أكثر فأكثر.
بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، عاد الفندق إلى قلب الحدث. امتلأت غرفه بالصحافيين من مختلف أنحاء العالم وفرق الإغاثة الدولية، واستعاد، ولو مؤقتًا، دوره التاريخي كمنصة لنقل مأساة بيروت إلى العالم.
اليوم ومع إقفال أبواب “الكومودور”، لا يغيب فندقٌ فقط عن شارع الحمراء، بل تُطفأ واحدة من النوافذ التي كانت بيروت تطلّ منها على العالم. هنا لم تكن الغرف للنوم، بل للكتابة، ولم تكن الجدران صامتة، بل شاهدة على مدينة عاشت الحصار والحرب والانبعاث.
لا يأتي إقفال “الكومودور” معزولًا عن سياقه، بل يندرج ضمن سلسلة خسارات متراكمة تعيشها بيروت. في السنوات الأخيرة، أُقفلت أبواب أماكن تاريخية وثقافية وفنية شكّلت جزءًا من هوية المدينة وذاكرتها الجماعية، فتبدّل المشهد وتراجعت المساحات التي كانت تحفظ تاريخها الحيّ. شيئًا فشيئًا، تخسر بيروت معالم لم تكن حجارة فقط، بل محطاتٍ لصناعة الثقافة والرأي والحياة العامة.




