ميقاتي يضع حدا للسجال.. تصويب البوصلة وحماية الساحة السنية!.. غسان ريفي

أربك ملف الأمير الوهمي “أبو عمر” المشهد ضمن الساحة السنية، خصوصا بعدما أثبتت التحقيقات أنه تدخل بشكل مباشر في الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة، ومارس ضغطا على نواب لتبديل مواقفهم من تسمية الرئيس نجيب ميقاتي الى تسمية القاضي نواف سلام.

اللافت، أن هذا الإرباك الذي بدأ منذ أكثر من إسبوعين وبدأ يتنامى ليطال أكثرية النواب السنة، لم يجد من يتصدى له أو يضع حدا لتداعياته، فرئيس الحكومة نواف سلام المعني الأول بالملف إلتزم بالصمت ولم يتخذ أي إجراء أو حتى موقف، وهو في الوقت عينه يبدو أنه غير قادر على محاكاة الشارع السني أو إقناعه في ظل وجود هوة سحيقة بين سلوكه الحكومي وبين تطلعات السنة.

الرئيس فؤاد السنيورة في وضع لا يُحسد عليه بعدما كشفت السيدة بهية الحريري زيف إدعاءاته بعدم معرفته بشخصية أبو عمر، والنواب المتورطون

منشغلون في كيفية تبرئة أنفسهم وتنظيم إفاداتهم أمام القضاء، والنواب المتهمون بالتورط مهتمون بالدفاع عن أنفسهم، والنواب الأبرياء على قلّتهم يراقبون عن بعد، أما المرجعية الدينية فمنهمكة في إبعاد الشبهات التي طالتها في هذا الملف، وفي إظهار حجم التضامن معها.

في ظل هذا التخبط الذي يُعد سابقة في تاريخ الطائفة السنية، جاء موقف الرئيس نجيب ميقاتي حول ملف “أبو عمر” بمثابة “ضرب اليد على الطاولة”، لوضع حد لهذا الإنزلاق، وإعادة تصويب البوصلة، وحماية الساحة السنية من مزيد من التصدّع، وتوجيه رسالة حاسمة مفادها، الكف عن الانجرار إلى معارك جانبية، وعدم إعادة عقارب الساعة الى الوراء، ورفض تحويل الاستحقاقات الدستورية إلى أدوات لتصفية الحسابات أو تفجير الساحات.

موقف الرئيس ميقاتي الذي جاء بصيغة بيان وزعه مكتبه الإعلامي أمس، كان عبارة عن إعلان سياسي هادئ، محسوب، وعميق الدلالات، أكد على ضرورة وجوده كأحد أعمدة الاستقرار الوطني والمرجعية السنية الأوسع حضوراً وتأثيراً.

في لحظة سياسية شديدة الحساسية، اختار الرئيس ميقاتي أن يرتقي فوق السجالات، وأن يضع حدّاً لمحاولات الزج باسمه في بازار سياسي ـ قضائي اختلط فيه الدستوري بالسياسي، والوقائع بالاجتهادات، والتسريبات بالأهداف المبطّنة وتصفية الحسابات وتسجيل النقاط.

في هذا المناخ، كان من السهل على الرئيس ميقاتي أن يفتح مواجهة سياسية أو أن يلوّح بوقائع ومعطيات يملكها، لكنه آثر أن يطوي الصفحة، ويؤكد أن الاستشارات أصبحت من الماضي، وأن الأولوية اليوم هي لعمل الحكومة وتنفيذ التزاماتها.

هذا الموقف شكّل صمّام أمان، ليس فقط على المستوى الوطني، بل داخل البيئة السنية تحديداً، التي تحتاج في هذه الظروف العصيبة إلى رجالات دولة تُهدّئ ولا تُؤجّج، وتجمع ولا تُفرّق، تُصلح ولا تُحرّض، وهي صفات لطالما إلتزم بها الرئيس ميقاتي وأكدتها وسطيته، وترجمتها سلوكياته في موقع المسؤولية حيث كان دائما جزءا من الحل وليس جزءا من المشكلة.

وفي هذا الإطار فإن الرئيس ميقاتي لا يمثل تجربة حكم فقط، بل يشكّل نقطة توازن داخل الطائفة السنية، وركيزة اعتدال في النظام السياسي اللبناني، وبالتالي فإن قدرته على الجمع بين الواقعية السياسية، والالتزام الدستوري، والعلاقات العربية والدولية، والحفاظ على السيادة اللبنانية، وحماية الإستقرار وصون الكرامة، تجعله حاجة وطنية لا يمكن تجاوزها، سواء كان في موقع السلطة أو خارجها.

 

لم يكتفِ الرئيس ميقاتي بوضع حد للسجال الدائر، بل رسم بوضوح خريطة الأولويات الوطنية: بسط سلطة الدولة، حصر السلاح بيد الشرعية، معالجة الانهيار الاقتصادي، والاهتمام بالمطالب الاجتماعية والعمالية، وهذه ليست شعارات، بل عناوين اشتغل عليها ميقاتي خلال تولّيه رئاسة الحكومة في أصعب وأدقّ الظروف، وهي تشكّل اليوم اختباراً حقيقياً لحكومة نواف سلام.

 



 

Post Author: SafirAlChamal