واشنطن تضغط.. إتفاق سوري – إسرائيلي بالإكراه أم سيادة مؤجَّلة؟.. د. عاصم عبد الرحمن

يعود ملف المفاوضات السورية – الإسرائيلية إلى الواجهة بضغط أميركي متسارع، لا بوصفه مسار سلام حقيقي، بل كمحاولة لإدارة صراع مزمن ومنع انزلاقه نحو مواجهة أوسع.

هذا الاستعجال لا يعكس تفاؤلًا دبلوماسيًا، بقدر ما يكشف قلقًا استراتيجيًا من جبهة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، في لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.

 

اتفاق ليس سلامًا… بل إدارة صراع بالقوة الناعمة

 

لا تضغط الولايات المتحدة نحو اتفاق انطلاقًا من إيمانها بالسلام، بل من منطق إدارة المخاطر. ما يُطرح اليوم ليس سلامًا بالمعنى السياسي أو القانوني، بل صيغة لتجميد الصراع تُبقي جوهر الاحتلال قائمًا، وتُعيد تعريف المسألة السورية كملف أمني لا كقضية سيادة.

الهدف الأميركي واضح: التجميد بدل الحل، الاحتواء بدل الإنصاف، وتأجيل الحقوق تحت عناوين الاستقرار والضمانات. هكذا تتحول التسوية إلى أداة ضبط، لا إلى مسار عدالة.

 

سوريا ليست المشكلة… بل موقعها

 

في العقل الاستراتيجي الأميركي، لم تكن سوريا المشكلة بذاتها، بل موقعها ودورها: بوابة جغرافية بين فلسطين ولبنان والعراق، عقدة اتصال في محور المقاومة، ساحة قادرة على خلط الأوراق عند كل تصعيد.

من هنا، ترى واشنطن أن “سوريا الهادئة” أخطر من سوريا المهزومة، لأن الهدوء المطلوب يجب أن يكون مشروطًا باتفاقات تُقيد القرار السيادي، لا نابعًا من قوة دولة مستقلة.

 

أمن إسرائيل أولًا… وسيادة سوريا لاحقًا

 

جوهر الضغط الأميركي يقوم على معادلة مختلّة: أمن إسرائيل أولوية مطلقة، فيما تُدفع السيادة السورية إلى هامش التفاوض. المطلوب حدود هادئة لإسرائيل، من دون أن تدفع ثمن الاحتلال أو الاعتداءات أو التوغلات المتكررة.

وفق هذه المقاربة، لا يؤسس الاتفاق لتوازن، بل لاختلال مُقنّن: تُمنح فيه إسرائيل الأمن والشرعية، وتُترك سوريا أمام التزامات وضمانات فضفاضة، بلا مقابل سيادي واضح.

 

تحييد سوريا: البعد الإقليمي الخفي

 

أحد الأهداف غير المعلنة للضغط الأميركي هو إعادة صياغة موقع سوريا الإقليمي، عبر تقليص هامش تحالفاتها ودورها. لا تسعى واشنطن إلى شراكة مع دمشق، بل إلى دولة منضبطة السلوك، محدودة التأثير، وقابلة للاحتواء.

في هذا السياق، يُستخدم الاتفاق كأداة سياسية ناعمة لاستكمال ما عجزت عنه أدوات الصدام المباشر.

 

إنجاز إعلامي لإدارة مأزومة

 

في زمن الأزمات الكبرى: استنزاف أوكرانيا، إحراج غزة، وصعود الصين، لذا تحتاج واشنطن إلى اختراق سياسي سريع يُعرض كنجاح دبلوماسي. اتفاق سوري–إسرائيلي، ولو كان هشًا، يصلح عنوانًا إعلاميًا لترميم صورة إدارة مأزومة.

 

الموقف السوري: السيادة أولًا

 

من المنظور السوري، لا يمكن فصل الأمن عن السيادة. التجارب أثبتت أن أي تهدئة لا تقوم على انسحاب كامل وإنهاء فعلي للاحتلال تبقى مؤقتة وهشّة. الضمانات لا تُقاس بالبيانات، بل بما يُنفَّذ على الأرض.

أي اتفاق يُشرعن الأمر الواقع أو يلتف على جوهر القضية، يتحول إلى تسوية قابلة للانفجار عند أول اختبار.

 

تستعجل واشنطن لأنها تدرك أن موازين المنطقة متحركة، وأن إدارة الصراع باتت أكثر كلفة. لكن الاستعجال الخارجي لا يمكن أن يكون بديلًا عن حل عادل. بالنسبة لسوريا، المعادلة واضحة: إما اتفاق يُنهي الاحتلال ويحفظ الأرض والسيادة، أو صراع لم تُغلق صفحته بعد.

ففي السياسة، كما في التاريخ، الحقوق المؤجَّلة لا تسقط… لكنها تعود بأثمان أعلى.

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal