حكومة “أبو عمر”؟!.. غسان ريفي

مع استمرار مدعي عام التمييز القاضي جمال الحجار في الاستماع إلى الشهود في ما بات يُعرف بقضية “أبو عمر”، تتوالى المعطيات التي تفتح الباب واسعاً أمام أسئلة سياسية وقضائية شديدة الحساسية، لا سيما في ما يتعلق بتدخلات غير معلنة طاولت إستحقاقات دستورية مفصلية، أبرزها الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة.

الجلسات القضائية الأخيرة لم تقتصر على تتبع مسار الأموال أو طبيعة العلاقات، بل ذهبت أبعد من ذلك، كاشفةً شبكة نصب وإحتيال بقيادة الشيخ خلدون عريمط وبتنفيذ من مصطفى الحسياني “أبو عمر”، لعبت دوراً مباشراً في التأثير السياسي وفي توجيه مواقف عدد من النواب، وخصوصاً داخل “تكتل الاعتدال الوطني” في لحظة سياسية دقيقة كان فيها الميزان السني – السياسي عاملاً حاسماً في ترجيح الكفة آنذاك بين مرشحين بارزين لرئاسة الحكومة، هما الرئيس نجيب ميقاتي والقاضي نواف سلام.

أبرز ما لفت في مجريات التحقيق، هو التناقض الواضح بين شهادات عدد من نواب “الاعتدال الوطني” والتي تقاطعت جميعها عند اسم “أبو عمر”، وإن اختلفت في الصياغة أو في محاولة التخفيف من وقع التدخل.

النائب محمد سليمان، وبحسب ما تسرّب من أجواء التحقيق، جاءت إفادته بعكس ما كان متداول عن تدخل “أبو عمر”، إلا إذا كان أبلغ المدعي العام بحقائق الأمور، ثم أصدر بيانا بعكس مضمون إفادته حفاظا على ماء الوجه بعد اللغط الحاصل حول الاتصال الذي تلقاه من الأمير الوهمي قبل إنتقال التكتل إلى قصر بعبدا لتسمية رئيس الحكومة.

وفي هذا الإطار أثارت إفادة النائب سجيع عطية الكثير من الجدل، ليس فقط لما ورد فيها، بل للتناقض الصريح بينها وبين مواقفه الإعلامية السابقة. فعقب خروجه من جلسة الاستماع، صدر بيان عن مكتبه الإعلامي جاء مغايراً لما كان قد صرّح به علناً على شاشات التلفزة، حيث كان قد أكد بالصوت والصورة أن التكتل كان متجهاً لتسمية ميقاتي، وأن بياناً كان قيد الإعداد لتلاوته في هذا الاتجاه، قبل أن يأتي اتصال “أبو عمر” ليقلب المعادلة رأساً على عقب، ويتم سحب البيان الأول وكتابة آخر يؤيد نواف سلام.

هذا المعطى لم يبقَ في إطار الروايات المتقاطعة، بل عززه بيان للنائب أحمد الخير، الذي يبدو أنه قدم الحقيقة المتكاملة، فأكد بدوره أن اتصال “أبو عمر” بالنائب محمد سليمان حصل فعلا خلال إجتماع التكتل وكان نقطة التحول الأساسية التي أدت إلى تبديل الموقف من تسمية ميقاتي إلى تسمية سلام.

هذه التناقضات لم تمرّ من دون أثمان سياسية. فقد سُجّلت أمس استقالة النائب وليد البعريني من “تكتل الاعتدال الوطني”، في خطوة قرأها كثيرون على أنها محاولة للنأي بالنفس عن مرحلة سابقة باتت اليوم موضع تدقيق قضائي وسياسي. كما تبعه النائب أحمد رستم بخطوة مماثلة، ما عزز الانطباع بأن التكتل يعيش تصدعاً داخلياً على خلفية ما أظهرته التحقيقات القضائية.

وبحسب مصادر سياسية متابعة، فإن هذه الاستقالات لا يمكن فصلها عن مناخ الإحراج الذي وُضع فيه التكتل، ولا عن محاولة بعض أعضائه إعادة التموضع قبل اتضاح المسار النهائي للتحقيقات، خصوصا أن هذا التناقض يرى فيه البعض أنه محاولة لتبرئة أنفسهم أمام المملكة السعودية من تأثير أمير وهمي عليهم في إستحقاق دستوري بالغ الأهمية. 

كل ذلك، يطرح سلسلة تساؤلات لجهة: هل نحن اليوم أمام حكومة أبو عمر؟ وإذا جاءت تسمية الرئيس سلام نتيجة لهذه التدخلات فهل توقف الأمر عند هذا الحد أم إنسحب على تسمية بعض الوزراء في ظل النشاط المضطرد للرئيس فؤاد السنيورة خلال التأليف وبعده وفي بعض التعيينات، وهو الذي نفى بداية معرفته بشخصية “أبو عمر” قبل أن تكشفه السيدة بهية الحريري ببيان حمل الكثير من الحقائق؟، وهل يمكن إعتبار تسمية الرئيس سلام الذي لم يكن متواجدا في البلاد لحظة تكليفه، غير شرعية كونها تمت بخديعة إنطلت على النواب المعنيين؟، وهل يمكن الطعن بتسميته؟، وكيف سيتعاطى الرئيس سلام مع هذه التطورات؟ هل يجمّد عمل حكومته إلى حين إنتهاء التحقيقات؟ أم يستقيل كونه حل بدلا من الرئيس ميقاتي بتدخلات وهمية أو بمؤامرة دُبّرت بليل؟، أم يضع نفسه بتصرف مجلس النواب ليقرر مصيره ومصير حكومته؟.. 

اليوم، ومع استمرار التحقيقات، يجد القضاء نفسه أمام اختبار دقيق، ليس فقط في جلاء حقيقة الدور الذي لعبه “أبو عمر”، بل أيضاً في تحديد المسؤوليات السياسية والأخلاقية لمن تجاوب أو التزم أو بدّل موقفه تحت أي تأثير كان.

أما سياسياً، فإن ما يجري يفتح نقاشاً أوسع حول هشاشة القرار النيابي وإستقلاليته، وكيف يمكن لتدخلات فردية أو شبكات نفوذ غير رسمية أن ترسم المشهد الوطني في لحظات مفصلية.

ويبقى أخيرا السؤال المحوري: هل ما كُشف حتى الآن هو كل الحقيقة، أم أن جلسات التحقيق التي تستأنف اليوم ستحمل في طياتها ما هو أبعد وأخطر؟، الأيام القادمة كفيلة بالإجابة!!..

 



 

Post Author: SafirAlChamal