يثير ملف «أبو عمر» موجة استغراب مصطنعة لدى بعض السياسيين وأنصارهم، وصلت حدّ السخرية ومحاولة تصوير ما جرى وكأنه حدث استثنائي في بلدٍ لم يعرف يومًا سياسة مستقلة عن الخارج. والحقيقة أن هذا الاستغراب لا يعكس براءة، بل إنكارًا فجًّا لتاريخ سياسي يعرفه اللبنانيون جيدًا.
فالقرار السياسي في لبنان لم يكن يومًا حرًّا بالكامل، والدولة العميقة ، بكل تشعّباتها، قامت على التبعية، وتغذّت من الخارج، وكل طائفة من دون استثناء امتلكت مرجعيتها الإقليمية أو الدولية، وأدارت شؤونها وفق ميزان القوى لا وفق الشعارات.
من هنا، فإن محاولة تصوير الارتهان وكأنه عار طارئ أو استثناء مستجد، ليست سوى ضرب من التذاكي السياسي الرخيص واستخفاف بالذاكرة الجماعية، لا أكثر.
وفي هذا السياق، يبرز نواب الشمال وعكار تحديدًا كنموذج صارخ لهذا التناقض. فهؤلاء، لعقود، كانوا مرتبطين سياسيًا واقتصاديًا بسوريا، التي شكّلت مرجعية القرار، ومصدر النفوذ، وبوابة المال والتجارة.
هناك صُنعت الزعامات، وتكدّست الثروات، وحُسمت الاستحقاقات، ولم يكن ذلك سرًّا ولا استثناءً.
وعندما اندلعت الأحداث في سوريا عام 2011، سارع كثيرون إلى تبديل خطابهم، لا قناعةً ولا مبدأً، بل رهانًا على سقوط قريب للنظام. ثم ما لبثوا أن عادوا أدراجهم عند تبدّل الرياح، فعادوا إلى النظام نفسه، وإلى أدواته، وإلى المصالح ذاتها. وعكار والشمال لا يزالان يذكران الولائم والزيارات والصفقات قبل أشهر قليلة من تسليم بشار الأسد الحكم في سوريا، فصدرت بيانات التهليل للمرحلة الجديدة، وكأن شيئًا لم يكن.
أمام هذا السجلّ، يصبح مضحكًا إن لم يكن مستفزًا أن يحاول بعض رجال السياسة تقديم نفسه اليوم على أنه صاحب قرار حر، وكف نظيف، وكرامة سياسية. فالسيادة لا تُقاس بالخطابات، بل بالمسار، ومن اعتاد نقل البوصلة من سفارة إلى أخرى لا يملك حق ادّعاء الطهارة السياسية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن التيار الوطني الحر شكّل استثناءً في هذا المشهد، إذ لم يُسجَّل عليه يومًا أنه فتح خطوطًا أو طلب رضى من الخارج، حتى في ذروة الحصار العربي والغربي على لبنان في عهد الرئيس ميشال عون. بقي قراره مستقلًا، ولو كلّفه ذلك أثمانًا سياسية عالية، فيما كان آخرون يتسابقون على أبواب السفارات.
ما يكشفه ملف «أبو عمر» ليس فضيحة طارئة، بل تذكير قاسٍ بحقيقة السياسة في لبنان: كثير من الصراخ السيادي، وقليل جدًا من الاستقلال الفعلي. ومن لا يملك شجاعة مواجهة تاريخه، لا يملك حق إعطاء دروس في الكرامة والحرية. عودوا الى ماضيكم وإصمتوا إحتراما لعقول ناخبيكم!!




