تتسارع فصول ما بات يُعرف بفضيحة “الأمير الوهمي” في لبنان، مع دخول التحقيقات مرحلة حساسة، بدأت بإفادة مفصّلة أدلى بها رجل الأعمال أحمد حدارة أمام مخابرات الجيش، ثم أمام القضاء اللبناني، في جلسة امتدّت لأربع ساعات، وُصفت بأنها نقطة تحوّل أساسية في الملف، لما تضمّنته من تسجيلات ومعطيات ووقائع تحدد أدوارًا لأشخاص في مواقع حساسة، بعضهم قد لا يكون مجرد ضحية كما ظُن سابقًا.
حدارة، الذي يُنظر إلى إفادته بوصفها نقطة تحوّل، وضع بين يدي القضاء تسجيلات ومستندات توثق اتصالات كان يجريها “أبو عمر” عبر رقم بريطاني. وفي تلك المكالمات، التي رُوّج لها على أنها ناطقة بـ”رغبة المملكة”، تم التداول بأسماء مرشحين محتملين لرئاسة الحكومة ومواقع وزارية وإدارية. وقد ورد اسم النائب محمد سليمان ضمن الحلقة الأولى ممن تلقوا هذه الاتصالات.
المثير في رواية حدارة أن سليمان تلقى في وقت سابق إشارة بأن المرشح المدعوم من السعودية هو فؤاد مخزومي، فيما تم استبعاد الرئيس نجيب ميقاتي بالاسم، قبل أن يصله لاحقًا طلب جديد بتأييد السفير نواف سلام. وهو ما جعله، بحسب ما أظهرته المعطيات، يوجه خياراته في الاستشارات النيابية بناء على هذا التصوّر.
محاولة النائب أحمد الخير التأكد من صحة هذه الرسائل قادته إلى التواصل مع السفارة السعودية في بيروت، إلا أن جهوده لم تثمر عن أي رد واضح، ما دفعه، وفق مجريات التحقيق، إلى المضي في الخط الذي رسمه “أبو عمر” لكتلة الإعتدال من دون تأكيد رسمي.
على ضوء هذه المعلومات، يصبح مفهومًا كيف انتقل الملف من رواية احتيال فردي إلى اشتباه بشبكة علاقات وتحركات قد تكون أثّرت فعليًا في قرارات وطنية على مستوى تشكيل الحكومات.
التحقيق الذي يقوده النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار دخل حيز التنفيذ العملي، حيث من المرتقب أن تبدأ الاستدعاءات يوم الأربعاء، بدءًا من الشيخ خلدون عريمط الذي وُضع تحت منع سفر رسمي، وهو الشخصية التي تربطها علاقات مباشرة مع “أبو عمر”، وتردد اسمه على نطاق واسع في سياق تسهيل حضوره داخل المؤسسات الدينية.
كذلك من المقرر أن يُستمع إلى النائب فؤاد مخزومي، الذي ورد اسمه مرارًا في إفادات وشهادات تتحدث عن اجتماعات واتصالات وتنسيق مع الشخصية المنتحلة. كما يتّسع نطاق الجلسات ليشمل الوزير السابق محمد شقير، وهو من الأسماء التي وردت بشكل موازٍ في محاضر التواصل مع “أبو عمر”.
ومع تقدّم التحقيق، يصبح احتمال استدعاء أسماء أخرى واردًا بقوة، خصوصًا النائبين أشرف ريفي ومحمد سليمان، بعدما ثبتت الإشارة إلى تلقيهما اتصالات مباشرة وقيامهما بخطوات سياسية على أساس تلك الاتصالات التي تبين لاحقًا أنها غير موثّقة رسميًا من أي جهة سعودية.
الرواية الرسمية حتى الآن تقول إن مصطفى الحسيان، ابن بلدة وادي خالد، هو الاسم الحقيقي لصاحب شخصية “أبو عمر”، وهي تؤكد أن الحسيان لم يكن سوى واجهة، بينما التنظيم الأكبر بقي محجوبًا خلف ستار من العلاقات المتشعبة واللعب على خطوط النفوذ.
وقد ظهر أن الحسيان خضع لتدريب دقيق لإتقان اللهجة الخليجية وتقمّص الدور، لكنه لم يكن يتحرك من تلقاء نفسه، بل بتوجيه مباشر من شخصية دينية لبنانية نافذة، وبمساعدة شبكة قادرة على فتح الأبواب السياسية والدينية أمامه.
ما تكشفه الإفادات أيضًا أن الدور لم يتوقف عند حدود تشكيل الحكومات، بل انسحب على تعيينات في مواقع أمنية وقضائية تم التوسط فيها من خلال هذه القناة غير الرسمية، وقد وردت في هذا السياق أسماء كل من الرئيس فؤاد السنيورة والنائب فؤاد مخزومي كشخصيتين كانتا تتفاعلان بمرونة مع تحركات “أبو عمر”، بل كانت مواعيدهم تُنسّق بسرعة غير معهودة.
ملف دار الفتوى: الغياب الصادم
رغم حجم المعلومات المتداولة، لا تزال دار الفتوى تتعامل مع القضية بصمت مطبق. لم يصدر أي توضيح رسمي من المؤسسة، ولا من مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، رغم ورود اسمه في أكثر من مرحلة من مراحل التحقيق، خاصة فيما يتعلق بـالتمديد له عام 2023، حيث أظهرت الإفادات أن “أبو عمر” تواصل مع عدد من أعضاء المجلس الشرعي لإقناعهم بحضور الجلسة، موهمًا إياهم أن المملكة ترغب في التمديد.
مصدر دبلوماسي أكد حينها أن السفارة السعودية لم تُبدِ أي رأي في الملف، ولم تتدخل في آلية التمديد، ما يُثير تساؤلات عن الجهة التي تقف خلف هذه اللعبة، وكيف أمكن توريط شخصيات مرجعية دينية بهذا الشكل.
ما يجري تداوله خلف الكواليس يشير إلى أن الاستدعاءات المقبلة قد تقلب المعادلة. فهل تسقط أقنعة جديدة عن شخصيات كانت تُقدَّم للرأي العام على أنها ضحية للاحتيال، بينما تشير الأدلة إلى شراكة أو تواطؤ؟ وهل يكون هذا الملف بداية مساءلة جدية… أم مجرد محطة أخرى على طريق الملفات المسيسة والمسوّاة في الظل؟.




