اللغة العربية هي ركن أساسي من حق المواطن اللبناني في الهوية الثقافية، والهوية الثقافية تعد حقا اساسيا من حقوق الانسان وهذا ما نصت عليه المواثيق الدولية وعلى رأسها الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية..
وهل تعلم أن اندثار أي لغة لا يعني فقط اختفاء كلمات و قواعد!! بل يعني زوال منظومة كاملة من القيم والتقاليد والذاكرة التاريخية فإذا انقرضت اللغة العربية فكيف لنا ان نحافظ على هويتنا الثقافية ونحن نرى في “أمّ العين” وفي كل مرة تحاول موجة الحداثة ان تطمس ثقافة دولة ما تنهض هذه الدولة لتنتفض وتدافع عن نفسها وعن حقها في الوجود.
وكذلك في اليوم العالمي للغة العربية ننتفض للغتنا الأم لنحميها ونؤكد على دورها في حقنا في الهوية الثقافية..
فقدان اللغة يقودنا الى الذوبان في مجتمعات أخرى، شعوب كثيرة فقدت لغاتها الأصلية بسبب الاستعمار، أما نحن فلسنا مستعمرين!! أم أن عقولنا أحيانا تستعمر نفسها حين تهوى تقليد”الأجانب” والتمثل بهم، فنهمل لغتنا ونبتعد عن أصالتنا ولعل ما حدث لبعض الشعوب الأصلية في الأميركيتين واستراليا مثال واضح حيث اندثرت لغات كثيرة ومعها اندثرت طقوس ومعتقدات وذاكرة جماعية لا تقدر بثمن !!
المسألة اللغوية، ليست مسألة ثقافة فحسب بل هي قضية سيادة وطنية حين نص الدستور اللبناني صراحة على ان اللغة العربية هي اللغة الرسمية والوطنية وبذلك حمّل الدولة وحملّنا نحن مسؤولية حمايتها وتعزيزها في التعليم والادارة والاعلام والفضاء الرقمي..
فكيف نتحدث عن انتماء وطني حقيقي اذا كنا نُقصي لغتنا من حياتنا العامة؟ وأي مجتمع نرجوه؟.
والتاريخ دائما يذكرنا بأن هناك من ينهض للدفاع عنها كأمثال ميشال شيحا وجبران خليل جبران الذي رأى فيها وعاء الروح والهوية..
لكن يبقى لنا أن نذكّر بأن الحفاظ على اللغة العربية لا يعني الانغلاق او رفض اللغات الأخرى، بل يعني التوازن بين الانفتاح على العالم والتمسك بالجذور فالأمم القوية هي التي تتقن لغات العالم لكنها تفكر وتحلم وتبدع بلغتها الأم!! أما التفريط في اللغة فللأسف هو تفريط في الذاكرة والمستقبل معا..
ويبقى السؤال الأخير أي مستقبل نريده لأنفسنا وأولادنا؟ هل نريد ماضيا بلا مستقبل؟ ام هوية قادرة على التجدّد والاستمرار؟ فالدفاع عن لغتنا الأم هو سبيلنا لنكون أنفسنا لا ظلاّ لأحد..
الكاتبة: المحامية د. رنا الجمل.
أمينة سر الهيئة الوطنية لحقوق الانسان في لبنان.





