لم ينسَ المغتربون المسيحيّون في أستراليا – ولا سيَّما المورانة منهم – لبنان، على الرغم من المسافة البعيدة والإستثنائيَّة وظروف العيش المختلفة، والتحدّيات التي أصبحتْ جزءً لا يتجزّأ من الواقع اللبناني الهشّ، والخاضع لمُتَقَلِّباتٍ مخيفة وهواجس لم يَعُدْ بالإمكان التنكُّر لها والسكوت عنها.
بين لبنان والمغترب وحدة حال غريبة وعجيبة. إنَّها حالة “زواجٍ مارونيٍّ”، أي عقدة لا تُحَلّ بسهولة بكلِّ معنى الكلمة. فالمغترب – الماروني على وجه الخصوص – يحمل لبنان في قلبه وعلى كتفيْه، في حِلِّهِ وتِرْحالِه، ولا يرضى إلّا بالهجرة الجسديَّة والقسريَّة بطبيعة الحال. فالجسد في أستراليا أو أميركا مثلًا، أمّا الروح فسابحةٌ دائمًا في سماء لبنان وبين تلاله الخضراء وأدياره المهيبة وقصصه الخالدة. إنَّ واقع الهجرة المؤلم لم يُفْقِد الماروني نبض الإنتماء، ولم يسلبه حبَّه للأرض التي عرف فيها الحرِّيَّة والاستقرار والرجاء بالعيش الكريم والعلاقة مع السماء. فمنذ حقبات الهجرة الأولى، أي بداية القرن العشرين، وحتّى ساعة كتابة هذه الأسطر، إلّا وكان لبنان، بجباله وسهوله، بكنائسه وجوامعه، بمدارسه وجامعاته، بعراقته ومناخ الحرِّيَّة السائد فيه، الوطن الأوَّل والأخير، الأبديّ والسرمديّ لجماعة بيت مارون في الأقطار الأربعة. نعم، لبناننا، نحن موارنة الانتشار، ولا سيَّما في بلاد الكنغارو، أي أستراليا، هو إرثنا الوحيد والفريد والغالي، والباقي من تاريخٍ مُخَضَّبٍ بالشهادة والاستشهاد وسرديَّة الدفاع عن النفس والمعتقد، حفاظًا على هويَّةٍ مميزَّة، هي صلة الوصل الدائمة والحيَّة، بين تلاميذ مار مارون الذين أتوا إلى جبال لبنان لنشر إنجيل يسوع المسيح، ابن الله المُتَجَسِّدِ والقائم من الموت والحيّ إلى الأبد، ورعيل المهاجرين الأوائل، الذي تركوا سهول سوريا الخصبة، رغبةً بصون أيمانهم وإيمانهم، وتلبيةً لنداء المعلِّم القائل: “تُعانونَ الشِّدَّةَ في العالَمْ، وَلَكِنْ ثِقوا، إِنّي قَدْ غَلَبْتُ العالَمْ” (يو 16: 33).
في ظلِّ تحوُّلاتٍ مخيفةٍ تطرق باب منطقة الشرق الأوسط، وشبح حروبٍ بلا رحمة تسرق من أهلنا في لبنان هناءة العيش والاستقرار الآمن وآفاق المستقبل، وأزماتٍ سياسيَّة واقتصاديَّة وأمنيَّة حادَّة، وهجرة للشباب والعائلات المسيحيَّة شكَّلتْ إبّان الحرب وبعدها، نزيفًا محفوفًا بالمخاطر الديموغرافيَّة والعدديَّة في وطنٍ قائمٍ على توازنات لا يحسن المساس بها أو التفريط بقيمتها، ينظر موارنة أستراليا إلى زيارة البابا لاوون الرابع عشر، لا سيّما في هذه المرحلة الحسّاسة والحاسمة من تاريخ لبنان المعاصر، نظرةً ملؤها الرجاء والثقة والمصارحة والفرح.
ينطلق موارنة أستراليا من التاريخ والحاضر، من الواقع والمُرْتَجى، من رباطٍ بينهم وبين لبنان لم يولد البارحة، ولم يُعْطَ لهم مِنَّةً من أحد. هذا الرباط المقدَّس والحقيقي، بين لبنان والموارنة، هو نتيجة مسارٍ تاريخيٍّ طويلٍ ومُعَقَّد، عابقٍ بالأصالة والجذور والأمانة. إنَّ تاريخ الشعوب – أيُّ شعبٍ كان – ينطلق من الأرض والمعتقد والماضي. هذه العناصر الثلاثة تُشَكِّلُ مجتمعةً الهويَّة الخاصَّة بكلِّ شعبٍ من الشعوب، ولا يُسْتَثْنى منها الموارنة أبدًا.
نتأمَّل ونصلّي مع الكنيسة الجامعة في سنة الرجاء، وننتظر في زمن الانتظار، كموارنة أستراليا من زيارة البابا، التالي:
أوَّلًا:
مخاوفنا كثيرة على الهويَّة اللبنانيَّة ذات الخصائص المميَّزة والمعترف بها، وعلى كيانيَّة لبنان التاريخي والوجداني والثقافي والحضاري النهائيَّة. الموارنة ولبنان واحد، فلا يمكن أن يوجد الأوَّل دون الثاني والعكس هو صحيحٌ دائمًا. شكَّل لبنان عبر التاريخ، الوطن الأوَّل والأخير للموارنة الساعين إلى عيش الإيمان الكاثوليكي – الخلقيدوني بشكلٍ دقيق – بحرِّيَّة، والانفتاح على الآخرين وقبول الاختلاف والغيريَّة دون خوف ولا حذر. احتضن جبل لبنان على غرار الموارنة كلَّ الجماعات المُضْطَهَدَة في منطقة لم تحظى بسنة سلامٍ واحدة، ولم يرحم أهل السلطة فيها من كان ذو عقيدةٍ مختلفةٍ أو ثقافةٍ مُغايِرَة أو تقاليد خاصَّة.
يَحْدُقُ بلبنان اليوم خطرٌ وجوديٌّ صريحٌ من الداخل والخارج. لا يقبل موارنة أستراليا بأيِّ شكلٍ من الأشكال أن يزول لبنان، وطن الرسالة واللقاء والحرِّيَّة. فلنكن واقعييّن ونعترف بأنَّ الواقع يُخيف بلا شكّ، والتحوُّلات السياسيَّة والثقافيَّة والديموغرافيَّة الحاصلة والمختبرة في ميادين السياسة والإدارة والخطابات الجماهيريَّة، تُنْذِرُ بما لا تُحْمَد عُقْباه. حقُّنا أن نخاف على وطنٍ عرفناه عظيمًا في الديمقراطيَّة والعلم والفنِّ والسياحة والانفتاح. حقُّنا أن نخاف على دورٍ كان لنا منذ البدء، وها هو ينحسر بسبب نتائج أخطاء وخطايا لا بدَّ من التكفير عنها ومصارحة الذات بها. هذا اللبنان هو أمانة في أعناق كلِّ الموارنة، في لبنان وخارج لبنان. نعم، يخاف موارنة أستراليا على وطنهم الأمّ. يخافون أن يُبْتَلَع من حوتٍ ما، أو أن ينصهر في بوتقةٍ لا تشبهه، أو أن تتغيَّر هويَّته التي تميَّز بها منذ مئات السنين. هذه الهويَّة طبعتْ كلَّ الموارنة، بل كلَّ اللبنانيين المؤمنين بلبنان، الوطن النهائي لجميع أبنائه وبناته. لذلك، نعتبر زيارة البابا لاوون الرابع عشر، بمثابة تأكيدٍ جليٍّ على هويَّة لبنان الفريدة ودفاع الكنيسة الجامعة عن حقِّ أبنائه المقيمين والمغتربين في تقرير مصيره والدفاع عن خصوصيَّته والعيش بما يتناغم مع تاريخهم وقيمهم ورسالتهم في المحيط المشتعل.
ثانيًا:
يأمل موارنة أستراليا أن يخرج لبنان – أو أن يَتِمَّ إخراجه – من دائرة الصراعات الإقليميَّة والمعسكرات المُتَناحِرَة والحروب بالوكالة. لقد شَبِعَ لبنان من حروب الآخرين على أرضه، ومن فائض القوَّة والاستعلاء على الدولة، وقَضْمِ سلطتها والحدِّ من هيبتها والتعدّي على حدودها وقوانينها وجيشها وأمن شعبها، كرمى لقضايا لا ناقة لها فيها ولا جمل. لقد تَعِبَ لبنان واللبنانيّون من كلِّ الطوائف والطبقات، على مدى عقودٍ من الزمن، من الحروب وعدم الاستقرار والتهجير والجوع والموت.
لبنان هو أصغر من أن يكون حليفًا أو عدوًّا أو مصدر تهديد أو خطر لأحد. لبنان هو وطن السلام والقداسة والرسالة الإنسانيَّة والإنجيليَّة بكلِّ أبعادها ومجالاتها. لبنان هو ساحة لقاء ومصالحة وحوار في زمنٍ يحكمه أبالسة الحديد والنار والإيديولوجيّات العقيمة والمُتَزَمِّتة. لبنان لا يريد أن يتحدّى أحدًا، ولا أن يعلن جهادًا مقدَّسًا على أحدٍ، ولا أن يُضَحّي بشعبه وخيراته وأحلام أبنائه وبناته من أجل عيون أحد، بل يريد الحياد الإيجابي. هذا الحياد هو ضمانة العيش المشترك والخلاص الوحيد من مستنقعات الحروب العبثيَّة والاصطفافات العقيمة والمحاور المُتَقَلِّبَة. هذا الحياد هو صمّام الأمان والوحدة الداخليَّة والنأي بالنفس عن مصادر الاضطرابات والاستفزازات ونكء الجراح بين أهل الوطن الواحد. لا يريد الموارنة أن يتحوَّل لبنان، وطنهم المقدَّس، إلى ورقة ضغط أو مساومة أو تفاوض. يريدون لبلاد الأرز أن يكون ينبوع خيرٍ وبركة وسلام، وعنوانًا للتلاقي والحوار وبناء الجسور بدل المتاريس والأنفاق.
ثالثًا:
يأمل موارنة أستراليا من زيارة البابا لاوون الرابع عشر – وهي الزيارة الثالثة لحبرٍ رومانيٍّ خلال عقود ثلاثة – أن تُشَكِّل رافعةً يستعيد من خلالها موارنة لبنان بجناحيهما المكرَّس والعلماني، دورهم الرسوليِّ والروحيِّ والإنجيلي، في أرضٍ تشتاق إلى نور السماء وتتوق إلى خلاصٍ آتي من غير هذا العالم؛ “ها إِنَّ العَذْراءَ تَحْمِلُ فَتَلِدُ ابْنًا يُسَمّونَهُ عِمّانوئيل، أيِ اللهُ معنا” (مت 1: 23). لقد مرَّ موارنة لبنان – والمسيحيّون بشكلٍ عام – في الخمسين من السنين الماضية، بأزماتٍ مُتَلاحِقَةٍ وانقساماتٍ حادَّة ومخاطر جسيمة، كان سببها الحرب بالدرجة الأولى، ناهيك عن الفوضى وصراعات السلطة في الصفِّ الواحد، بالإضافة إلى التوتُّرات الإقليميَّة التي زادت الأمور تعقيدًا وصبَّتْ زيوتًا على رمادٍ غير منطفئ. وقد أدَّت هذه الظروف مُجْتَمِعَةً إلى خروج الموارنة من الحرب مُرْهَقين ومُشَتَّتين، بل فاقدي الرجاء، وقد خسروا الكثير من مواقعهم التاريخيَّة والقياديَّة على مرِّ العصور.
يحتاج شعب مارون إلى قراءة علامات الأزمنة، وإلى التعلُّم من مآسي الماضي. يحتاج شعب مارون إلى التأمُّل بشربل ورفقا والحرديني ونعمة الله ويعقوب الكبّوشي وإسطفان الدويهي، وبجميع القدّيسين الذين خرجوا من رحم المعاناة والصلاة والتوبة. يحتاج الموارنة أن يعودوا إلى هويَّتهم الروحيَّة والنسكيَّة والرسوليَّة، على مثال المؤسِّس، مارون الناسك الذي قصد العراء، حتّى لا يكون بينه وبين الله أي حاجزٍ أو عقبة. لم ينسى المهاجرون الأوائل أن يأتوا – إلى جانب حوائجهم الشخصيَّة من ثياب ومقتنيات وما شابه – بكتب الصلوات (الإشبيَّة)، ولم ينسوا المسابح والبخور وأيقونة مريم العذراء وصور شفعاء قراهم. فقد كانوا أوَّلًا مؤمنين قبل أن يصيروا مُغْتَرِبين، ولطالما حافظوا على هذه الهويَّة وافتخروا بها أينما ذهبوا. الموارنة هم قدّيسون قبل أن يكونوا رجال أعمال وسياسيّين ومهندسين وبنّائين ومحامين ومزارعين وأساتذة وأطبّاء. يأمل موارنة أستراليا، أن يعود لبنان وطن القداسة والرسالة والأنجلة الجديدة.
في النهاية، وكلُّ نهايةٍ تختصر بداياتٍ لا تنحصر بزمان ومكان، ينظر موارنة أستراليا إلى زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، خاصَّةً في هذا الوقت الحرج، على أنَّها لفتة من السماء، ودعاء من تلاميذ يسوع الذين قالوا للأعمى: “تَشَدَّدْ وقُمْ فَإِنَّهُ يَدْعوكَ” (مر 10: 50). إنَّها دعوة للرجاء حيث لا رجاء، “فإنَّنا بالروح من الإيمان نتوقَّع رجاء برٍّ” (غل 5: 5)، “لأنَّ الرَّجاءَ لا يُخْزي، لأنَّ مَحَبَّةَ الله قَدِ انْسَكَبَتْ في قُلوبِنا بالرّوحِ القُدُسِ المُعْطى لنا” (رو 5: 5). إنَّ الله هو سيِّد التاريخ، وكلُّ المِحَن إلى زوال.

Related Posts







