لأول مرة في تاريخ لبنان، يجد شهداء الاستقلال الذين سقطوا في 13 تشرين الثاني عام 1943 في طرابلس من ينصفهم على المستوى الرسمي، ويذكّر بتضحياتهم وينوه ببطولاتهم التي ساهمت في صنع الاستقلال.
هذا الوفاء للشهداء جاء من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في كلمته التي ألقاها من جنوب لبنان أمس، حيث أشاد بـ”ملائكة طرابلس الـ14 الذين إستشهدوا متظاهرين من اجل الاستقلال” مقدما لهم أسمى معاني التقدير والعرفان لدمائهم وشهادتهم.
وقد حرص الرئيس عون على تسميتهم بـ”الملائكة”، كونهم أطفالا وفتيانا من طلاب دار التربية والتعليم والاسلامية، إنتفضوا في ذاك اليوم غضبا على ممارسات الفرنسيين لا سيما لجهة إعتقال الزعماء اللبنانيين في قلعة راشيا، فتصدت لهم الدبابات الفرنسية التي يقودها جنود سنغاليون في ساحة السلطي وسحقت أجسادهم الطرية تحت جنازيرها.
كلام رئيس الجمهورية جوزاف عون لاقى كثيرا من التقدير والترحيب في طرابلس التي لطالما لعبت أدوارا وطنية من الاستقلال الى إستحقاقات أخرى بذلت فيها الدماء من أجل وحدة لبنان وتثبيت سيادته وحريته وإستقلاله.
في العام 2010 وبعد سلسلة مطالبات بتكريم شهداء الاستقلال وتخليد ذكراهم، بادر رئيس بلدية طرابلس السابق الدكتور نادر غزال الى وضع لوحة تذكارية بأسمائهم عند مدخل مقبرة الشهداء في باب الرمل، وكشف النقاب عن نضالاتهم وتضحياتهم، ومنذ ذاك التاريخ تدأب بلدية طرابلس على تكريم شهداء طرابلس في كل عيد إستقلال، وقد قام رئيس البلدية الدكتور عبدالحميد كريمة ورئيس إتحاد بلديات الفيحاء الدكتور وائل زمرلي وعدد من أعضاء المجلس البلدي بوضع إكليل من الزهر أمام النصب التذكاري.
كما سبق وبادر النائب إيهاب مطر قبل نحو ثلاث سنوات الى وضع نصب تذكاري لهؤلاء الشهداء حمل أسماءهم في ساحة السلطي (عند مدخل شارع المصارف لجهة قصر الحلو) تخليدا لذكراهم في المكان الذين إستشهدوا فيه.
وكان المناضل توفيق سلطان عمل منذ العام 1963 من أجل تخليد ذكرى هؤلاء الشهداء، وما يزال حتى الآن يسعى الى ذلك بطرق مختلفة.
كيف إنطلقت التظاهرة وكيف حصلت المجزرة؟
تقول المعلومات التاريخية أن الطرابلسيين فوجئوا يوم الجمعة في 12 تشرين الثاني عام 1943 بقيام جيش الاستعمار الفرنسي باعتقال الزعيم عبد الحميد كرامي من مزرعته في مرياطة، وإقتياده الى سجن قلعة راشيا حيث يعتقلون رجالات الاستقلال. فتجمع المواطنون في الجامع المنصوري الكبير الذي غصّ بالحشود في الداخل والخارج إحتجاجا على ما أقدم عليه الفرنسيون، مطالبين بالافراج الفوري عن كرامي ورفاقه وإعلان إستقلال لبنان.
وفي اليوم التالي أي السبت في 13 تشرين الثاني خرج طلاب دار التربية والتعليم الاسلامية وتجمعوا في مسجد الأمير سيف الدين طينال، وإنطلقوا من هناك بتظاهرة حاشدة جابت شوارع طرابلس مرورا بـ “حي النصارى” حيث تقع مدرسة الفرير، فسارع عدد من الأساتذة والمربين وعلى رأسهم فؤاد الولي ومحيي الدين مكوك الى تغيير وجهة سير التظاهرة خوفا من الاحتكاك بالجنود الفرنسيين الذين كانوا يعسكرون في خان العسكر في محلة الدباغة، فتوجهت التظاهرة الى ساحة التل ومنها الى شارع المصارف وساحة السلطي حيث كانت الدبابات والمجنزرات الفرنسية بانتظارها على أرصفة الطرقات، ويقودها جنود سنغاليون تلقوا أوامر من ضباطهم الفرنسيين بالتحرك نحو الطلاب وهم جميعهم من الاطفال لا يتجاوز عمر اكبرهم 15 سنة، وبالفعل واجهت الدبابات الفرنسية المتظاهرين وداست أجسادهم مرتكبة مجزرة مروّعة ومشهودة، حيث إستشهد 14 طالبا وجرح أكثر من 25 آخرين.
وتشير المعلومات الى أن ولدا للحاج ظافر الخطيب (أحد شخصيات طرابلس المعروفة آنذاك) نام في وسط الطريق تحت إحدى الدبابات ومرت من فوقه دون أن تدوسه ونجا من الموت باعجوبة، كما لاحقت إحدى الدبابات طفلا من عائلة هاجر وحشرته أمام أحد الجدران وبترت يده.
الشهداء
حصدت الدبابات الفرنسية بتاريخ 13 تشرين الثاني عام 1943، 14 شهيدا من اطفال وفتيان طرابلس التي شهدت في اليوم التالي مسيرة تشييع غاضبة إنطلقت من الجامع المنصوري الكبير حيث صلي على جثامين الشهداء، وخطب فيها القاضي الشيخ عبداللطيف زيادة، ووري الشهداء الثرى في مدافن الشهداء في باب الرمل وهم: سليم صابونة، أحمد صابر كلثوم، رشيد رمزي حجازي، فوزي قاسم شحود، محمد ثروت، عبدالغني أفيوني، عباس إبراهيم حبوشي، محمد علي حسين خضر، عبد القادر مصطفى الشهال، كمال عبد الرزاق ضناوي، وديع خاطر بركات، أحمد جوجو، محمد حسين المحمد، وسليم الشامي.






