حوّلت عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها من تطورات تمثلت بشن العدو الاسرائيلي حرب إبادة وتدمير وتجويع وتهجير على قطاع غزة ما تزال مستمرة، من قضية عربية منسية إلى قضية كونية تشغل الرأي العام العالمي وتحمله على التضامن معها في كل أصقاع الأرض.
هذا التضامن غير المسبوق والذي ترجم بتظاهرات مليونية وتحركات وإعتصامات، أدى دوره في الضغط على حكومات العالم، يترجم اليوم في إجتماع نيويورك بإعتراف أكثر من 140 دولة، بدولة فلسطين وفي مقدمها بريطانيا وأستراليا وكندا وفرنسا والسعودية وغيرها كثير من الدول التي ذهبت بعيدا في دعم القضية الفلسطينية التي إنتصرت على الدم وعلى مجازر إسرائيل التي باتت على يقين أنها تتجه نحو عزلة دولية بعدما سقطت كل أقنعتها.
لا شك في أن الاعتراف بدولة فلسطين يعتبر خطوة مهمة في تثبيت حق الفلسطينيين بأرضهم ومقدساتهم، وهو لم يأت من فراغ بل جاء نتيجة نضالات وتضحيات بذلت على مدار عقود من الزمن، لا سيما في السنتين الأخيرتين منذ طوفان الأقصى ونجاح الإعلام الفلسطيني وكتّابه ومصوّريه وناشطيه في إيصال السردية الفلسطينية الى أبعد حدود لتخاطب من خلالها فلسطين كل العالم ولتتحقق نبوءة الشهيد يحيى السنوار التي تحدثت عن “عزل إسرائيل”.
الاعتراف بدولة فلسطين قد يكون له إنعكاسات إسرائيلية كثيرة خصوصا في ظل الغضب الذي يجتاح نتنياهو حيث هدد بأنه سيرد على الاعتراف عندما يعود من أميركا، ما يوحي بإمكانية إسراعه بضم الضفة الغربية وطرد الفلسطينيين منها إلى الأردن أو إلى أي دولة أخرى، فضلا عن إمكانية رد إسرائيل على أسطول كسر الحصار عن غزة باستهداف إحدى سفنه وقتل المتضامنين، الأمر الذي سيؤكد وحشية إسرائيل وحكومتها المتطرفة أمام دول العالم.
ولا شك في أن صمود المقاومة الفلسطينية الأسطوري في غزة يُعد سبباً رئيسيا في الوصول إلى هذا الاعتراف، فلو تمكنت إسرائيل من كسر المقاومة والقضاء عليها وإحتلال غزة وفرض أمر واقع لما بقيت هذه القضية حية ولما شقت طريقها نحو جلسة الاعتراف الذي يُعمّد اليوم بدماء المقاومين وبجراحات أبناء غزة الذين يواجهون كل أنواع حروب الابادة.
أما وقد بات الاعتراف بدولة فلسطين أمرا واقعا، يُفترض أن تتابع الدول المعترفة جهودها لترجمة هذه الدولة على أرض الواقع خصوصا أن الاستيطان الإسرائيلي وسعي نتنياهو لضم الضفة الغربية لم يُبق أي شبر في فلسطين المحتلة لإقامة الدولة عليها، لذلك لا بد من تعبئة عامة عالمية يقودها الإعلام المقاوم للضغط على إسرائيل وإجبارها على ترجمة هذا الاعتراف بإعطاء الفلسطينيين دولة مستقلة تأخرت 23 عاما منذ أن طرح العرب مبادرة حل الدولتين في قمة بيروت.













