بين العين الواحدة والألسن الفتنوية.. البلاد فوق صفيح ساخن!.. غسان ريفي

يتفاعل قرار الحكومة القاضي بحصرية السلاح بيد الدولة واتجاهها للالتزام الكامل بورقة المبعوث الأميركي توم باراك، في وقت تتنازع البلاد مواقف ومواقف سياسية مضادة وإستفزازات متبادلة، وتتفاوت الآراء بين من يؤكد على صوابية القرار وبين من يعتبره متسرعا ويخدم مصلحة العدو، ويشدد على أن الأجدى كان إعلان الحكومة حالة الطوارئ، لمواجهة العدوان الاسرائيلي ولتحرير الأرض، ومن ثم التفاهم مع المكونات الوطنية على إستراتيجية دفاعية تعزز الأمن الوطني.

اللافت اليوم، أن الحكومة ترى بعين واحدة فقط، فهي تُغمض عينا على إحتلال إسرائيل للنقاط الخمس، وعلى حربها المستمرة منذ ٢٧ تشرين الثاني الماضي بعد أن نكثت بإتفاق وقف إطلاق النار الذي إلتزم به لبنان ومقاومته، وعلى إعتداءاتها اليومية وإغتيالاتها وتوسعها وتدميرها الممنهج لكل ما تطاله يدها، وإعلان أركان حربها بأن الانسحاب من لبنان غير وارد، وملاقاتهم من قبل الأميركيين برفض إعطاء أية ضمانات للبنان لا على صعيد الانسحاب ولا على صعيد وقف العدوان.

في المقابل تفتح الحكومة عينا على سلاح المقاومة وتقرر سحبه لحصر السلاح بيد الدولة تنفيذا للبيان الوزاري الذي حظي بموافقة الثنائي حزب الله وحركة أمل وأعطى الثقة للحكومة على أساسه شرط إعتماد تسلسل الأولويات بدءا بالانسحاب الإسرائيلي وصولا إلى السلاح وليس العكس كما فعلت الحكومة التي يفترض (بحسب بعض المواقف) أن يصار إلى إعادة طرح الثقة بها بعدما أخلت في تنفيذ بيانها الوزاري الذي تماهى مع خطاب القسم لرئيس الجمهورية جوزاف عون وإعتمد تسلسل الأولويات نفسه.

تفتح الحكومة عينا على ما تعتبره تدخلات إيران في شؤون لبنان الداخلية عبر تصريحات المستشار علي لاريجاني والسفير الإيراني في لبنان مجتبى أماني، وهو أمر مرفوض كونه لا يحق لأي دولة أن تتدخل بشؤون دولة أخرى، وبالتزامن يقيم وزير الخارجية يوسف رجي الدنيا ولا يقعدها ويهدد ويمارس عنترياته على السفير الإيراني، بينما قبل أيام قليلة إعترف بأن ليس لدينا سوى البكاء لدى الأميركيين لمساعدة لبنان.

في المقابل، تغمض حكومة سلام عينا على كل أنواع التدخلات الأميركية والفرنسية والاقليمية في الشؤون اللبنانية وفي أدق التفاصيل، وصولا إلى قيام الولايات المتحدة بتجاهل الرد اللبناني على ورقة السفير توم باراك، وإرسال ورقة جديدة بواسطة سفارتها في لبنان إلى الحكومة لاقرارها بالكامل فتسارع إلى الرضوخ وتقرّها حتى قبل إطلاع بعض الوزراء عليها كما يقتضي القانون والدستور، كما أنها لم تر أو تسمع تهديد توم باراك بإعادة لبنان إلى بلاد الشام، كما لم يصلها كلام دونالد ترامب بضرورة تسليم لبنان إلى سوريا، أما “عنتر زمانه”وزير الخارجية الذي قامت مورغان أورتاغوس ذات زيارة باستدعائه إلى السفارة الأميركية لاعطائه التوجيهات، فلم يجد في كل ما سبق بأنّ هناك شيئا ما يمس السيادة اللبنانية أو يعتبره تدخلا في الشؤون الداخلية شأنه شأن كثير من “السياديين” الذين يدفنون رؤوسهم كالنعامة ويبلعون ألسنتهم أمام العدوان الاسرائيلي بالدرجة الأولى وكل أنواع الانتهاكات للسيادة اللبنانية.

وما زاد الطين بلة هو كلام وزير الدفاع اللبناني إلى قناة الجزيرة بأننا “نتلقى تعليمات من الجانب الأميركي والاسرائيلي وننسق لوجستيا في التحركات”.

من جهة ثانية فتح البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال جولته الجنوبية أمس، عينا على الدمار الذي أصاب القرى وعلى ضرورة أن نعيش السلام العادل والشامل، وأغمض عينا على العدو الاسرائيلي الذي غاب ذكره عن كل تصريحاته كما أن الغارات التي نفذها على مقربة من أماكن زيارة البطريرك وعلى مسمع منه لم تحرك ساكنا لديه تجاه القيام بأضعف الإيمان وهو إستنكار العدوان أو حتى تسمية إسرائيل وتحميلها مسؤولية ما يحصل.

في غضون ذلك، وخلال كلمته في عيد الجيش تمنى رئيس الجمهورية جوزاف عون على التيارات السياسية “الابتعاد عن الاستفزاز وعن التحريض والتعاطي مع الأمور بمسؤولية وطنية”، فإذا ببعض هذه التيارات تضرب كلام رئيس البلاد بعرض الحائط وتتجاوز الاستفزاز والتحريض إلى تحريك الألسن الفتنوية التي لا توفر مناسبة لوضع “الملح على الجرح”، فيما الأمور تتخذ منحى وجوديا بالنسبة لشريحة واسعة من اللبنانيين ولا يحتمل أي كلام خارج السياق.

وأخطر ما جاءت به الألسن الفتنوية كان بعد الانفجار الذي شهده مستودع الأسلحة في وادي زبقين – قضاء صور، عندما حاولت القوات اللبنانية عبر مسؤولها الإعلامي ضرب الجيش بالمقاومة والإيحاء بأنها تقف خلف هذا التفجير مستبقا بذلك بيان المؤسسة العسكرية حول الحادثة المأساوية والمؤسفة حيث أشار إلى خطأ تقني على أن تستمر التحقيقات لكشف كل الملابسات، علما أنه من غير المستبعد أن تكون إسرائيل هي من خططت ونفذت، خصوصا وبحسب المعلومات المتداولة أنها سبق ودخلت إلى هذا المستودع.

في هذا الاطار، يبدو أن القوات اللبنانية ومن لف لفها من كتائب و”سياديين” يسعون منذ ما قبل صدور قرار حصرية السلاح إلى إيجاد فتنة بين الجيش والمقاومة أو النفخ في بوق الفتنة السنية – الشيعية أو الشيعية – المسيحية، بهدف إضعاف كل الأطراف والتحكم بالشارع المسيحي وتشريع البلاد لمزيد من التدخلات والاحتلالات بما في ذلك تحقيق الحلم التاريخي بالفدرالية والذي ما زال يراود البعض، ما يضع البلاد فوق صفيح ساخن قد يحرق الجميع إذا لم يتم التعامل مع التطورات بوطنية كاملة من دون أي إرتهان..


 

Related Posts


Post Author: SafirAlChamal