ما يزال لبنان يرزح تحت وطأة الحرب الاسرائيلية المستمرة عليه حتى بعد دخول إتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في ٢٧ تشرين الثاني الماضي، وإن بوتيرة أقل تتركز على الاغتيالات والتدمير الممنهج والخروقات اليومية التي تجاوزت الأربعة آلاف خرقا، مما يضاعف من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي شكلت حجر عثرة في طريق إنطلاقة قوية للعهد الرئاسي الجديد.
كل ذلك، لم يحل دون إصرار رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون على المضي قدما في ترجمة خطاب القسم ببنوده المختلفة متجاوزا العراقيل والصعوبات لا سيما في ما يتعلق بإقرار التعيينات الإدارية والعسكرية، وفتح ملفات الفساد ونقل بعضها إلى قصور العدل حيث بدأ اللبنانيون يشعرون بحضور قضائي غير مسبوق تُرجم باتخاذ قرارات بتوقيفات طالت المعنيين بهذه الملفات.
ولعل أبرز ما نجح فيه الرئيس عون مع إنطلاقة عهده هو إعادة لبنان إلى الحضن العربي، حيث يستمر في وصل ما إنقطع في مراحل سابقة، وهذا ما عكسته زيارته إلى الجزائر حاملا معه ملفات الفيول والطاقة
وإعادة الإعمار، إضافة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين لبنان والجزائر في مجالات عدة أبرزها التبادل التجاري والسياحي والتعاون على الصعد الصحية والتعليمية والإعلامية، حيث يفترض أن يوقع البلدان سلسلة بروتوكولات سيكون لها بالغ الأثر الايجابي على لبنان الذي سبق وأعيد ربطه بدول الخليج العربي، وصولا إلى تفعيل علاقاته بالعواصم العربية، وتسيير رحلات جوية كانت متوقفة أو معلقة بينها وبين بيروت.
وقد أشارت المعلومات إلى أن أول الغيث من زيارة الرئيس عون إلى الجزائر هو تقديم هبة جزائرية إلى لبنان عبارة عن باخرتين محملتين بالقبول أويل، وإعادة تسيير الرحلات الجوية المباشرة من الجزائر العاصمة إلى بيروت.
يمكن القول، إن إنطلاقة عهد الرئيس عون أعادت الحيوية إلى مؤسسات الدولة لجهة إجراء التعيينات الإدارية والعسكرية والتشكيلات الدبلوماسية، وذلك بعد جمود طويل في عدد كبير من مجالس الإدارة والهيئات الناظمة والتي كان بعضها بالتكليف وبعضها الآخر بالانابة أو التمديد، فضلا عن التعطيل والشلل الممتدان على مسافة أكثر من عشرين عاما، نتيجة التجاذبات السياسية والصراعات الطائفية، وعلى سبيل المثال لا الحصر الهيئة الناظمة لقطاع الطيران التي بقيت دون تفعيل منذ العام ٢٠٠٢، فيما الأنظار تتجه الى التشكيلات القضائية التي يفترض أن تبصر النور في الأيام القليلة المقبلة بعد أن تسببت الخلافات السياسية بتعطيلها خلال السنوات الماضية، ما يشير إلى سعي رئاسي حثيث لإطلاق عجلة كل مؤسسات الدولة نحو العمل والانتاج بعد فترة لا يستهان بها من الجمود.
لا يختلف إثنان على أن مقاربة ملف مكافحة الفساد يعتبر بالغ الصعوبة في بلد كلبنان تتحكم فيه الحساسيات الطائفية والمذهبية، وتتقدم فيه الفيتوات والأغطية والحمايات السياسية للحؤول دون المحاسبة.
وفي هذا الإطار، شكلت زيارة الرئيس عون إلى قصر العدل وإعلانه الدعم المطلق للجسم القضائي ودعوته للإقدام على ممارسة دوره العدلي، إندفاعة قضائية تمثلت بفتح ملفات كان يعتبر الحديث فيها من المحرمات، حيث شهدت البلاد في الآونة الأخيرة توقيف وزير مع مستشاريه ورؤساء مجالس إدارة ومحاكمة أصحاب ومدراء مصارف بسبب إستيلائهم على أموال مودعين ومستثمرين ورفع حصانة عن نائب، وإحالة قضاة إلى التفتيش، وغير ذلك من الاجراءات التي يفترض أن تطال لاحقا ملفات فساد كبرى لم يكن يخطر في بال أحد وضعها تحت مجهر القضاء اللبناني.
هذا الواقع، يؤكد أن رئيس الجمهورية وبالرغم من كل الأزمات السياسية والأمنية التحديات المصيرية ماضٍ في ترجمة بنود خطاب القسم، لا سيما في ما يتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وفق إستراتيجية العمل بميزان وطني دقيق، يراعي أولوية إنسحاب العدو الصهيوني ووقف إغتيالاته وإعتداءاته وإلتزامه باتفاق وقف إطلاق النار وبتطبيق القرار ١٧٠١ الذي إلتزم به لبنان بشكل كامل.









