بين وقائع الميدان وتناقض ترامب.. الى أين يتجه نتنياهو؟!.. غسان ريفي

منذ العدوان الاسرائيلي المباغت على إيران والذي أدى الى إنطلاق الحرب مع الجمهورية الاسلامية التي سارعت الى إستيعاب الضربة الأولى والرد عليها بقوة مستهدفة تل أبيب وكثير من المصالح الصهيونية، والرئيس الأميركي دونالد ترامب يتخبط في مواقفه الى حدود التناقض الواضح ما يعكس أزمات حقيقية يعيشها سواء على مستوى الداخل الأميركي أو على صعيد منطقة الشرق الأوسط.

كثيرة هي التصريحات “الترامبية” المتناقضة والتي ربما يصدرها وفقا لظروف ووقائع الميدان، حيث إعتبر في أول تصريح له أن “الهجوم الاسرائيلي كان مثاليا”، ثم أكد في اليوم التالي وبعد الرد الايراني، على ضرورة “وقف الحرب وتخفيض التصعيد”، كما دعا بعد ذلك إيران “للعودة الى طاولة المفاوضات”، قبل أن يرفع السقوف بالتأكيد على “عدم إمتلاك إيران للسلاح النووي”، والدعوة الى “إخلاء طهران من أهلها، والطلب من إيران الاستسلام من دون أية شروط”، ومن ثم تخفيضه لهذه السقوف بسحب بعض التغريدات والتشديد على خفض التصعيد.

لم يتضح حتى الآن، ما إذا كان نتنياهو قد ورّط ترامب في هذه الحرب، أو أن ترامب ورّط نتنياهو بها؟، الافتراضان منطقيان لكن لكل منهما تداعياته وإنعكاساته ونتائجه على المنطقة كما على أميركا وإسرائيل.

ربما أقنع نتنياهو ترامب أنه قادر من خلال توجيه الضربة الأولى القاصمة الى إيران وقتله القادة العسكريين والعلماء النوويين وضرب البرنامج النووي، أن يسقط النظام وأن يضرب المشروع النووي وأن يشل القدرات الصاروخية، وهذه هي الأهداف التي أعلنها في اليوم التالي للحرب، لكن هذا الأمر لم يتحقق، حيث نجحت إيران في إستيعاب الضربة الأولى وتماسكت عسكريا وسياسيا وشعبيا وبدأت بالرد على إسرائيل حيث لم تشهد المدن الفلسطينية المحتلة في تاريخها دمارا مثل الذي أحدثته الصواريخ الايرانية التي تجاوزت الدفاعات الاميركية والاسرائيلية على حد سواء.

كسر إيران للمعادلات وتحقيقها التوازن العسكري، دفع الرئيس ترامب الى مراجعة حساباته، خصوصا أنه عاد الى البيت الأبيض بوعود الانقاذ الاقتصادي وتعزيز السلام في الشرق الأوسط، وإعطاء المزيد من حرية التعبير للمواطنين الأميركيين، فإذا به يقمع التحركات الاحتجاجية في خمس ولايات، ويخفق في تحقيق الاصلاحات والانقاذ الاقتصادي حيث تتجه أميركا الى مزيد من التحديات على هذا الصعيد، ويقود الشعب الأميركي الى حرب غير محسوبة النتائج وربما تؤدي الى تلاشي كل الاتفاقات والاستثمارات التي أبرمها في زيارته الأخيرة الى الخليج بمبالغ خيالية وصلت الى أربعة تريليون دولار، فضلا عن أمر أساسي هو إنقسام الادارة الأميركية لديه بين جناح صهيوني متطرف يضغط لتوفير كل الدعم لإسرائيل وصولا الى دخول الحرب الى جانبها لإسقاط إيران، وجناح وسطي يرى أن ما يحصل ليس في مصلحة أميركا ويرفض زجها في حرب لا علاقة لها بها.

لذلك، فإن ترامب يبدو أنه يريد إرضاء الجناحين على حد سواء، وكذلك اللوبي الصهيوني، ولا يريد توسيع الحرب خشية من حرب إقليمية أو ميني حرب عالمية، لذلك فإن تصريحاته تتأرجح بين “هبّة ساخنة وهبّة باردة”، ما يجعله في حالة من عدم التوازن.

وربما يكون ترامب أراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد، بإسقاط نتنياهو بحروبه العبثية وإضعاف إيران وإنهاكها بالضربات الاسرائيلية، خصوصا أن ترامب يسعى كما وعد الى تعزيز السلام في منطقة الشرق الأوسط، وهذا السلام لا يقوم إلا على حل الدولتين الذي يرفضه نتنياهو وإئتلاف حكومته اليمينية المتطرفة جملة وتفصيلا، فضلا عن تحول رئيس حكومة الاحتلال الى عبء على أميركا والغرب بعد فشله في تحقيق أهداف الحرب على غزة، وبفعل الأزمات التي تعصف به في الداخل الاسرائيلي، لذلك فقد عمل ترامب على توريطه في حرب جديدة قد تؤدي الى الاطاحة به في حال لم تحقق أهدافها العالية السقف، ومن شأنها في الوقت نفسه أن تُضعف إيران وتنهكها بما يجعلها أكثر مرونة في المفاوضات حول برنامجها النووي، وكل ذلك من شأنه أن يجعل عملية السلام في الشرق الأوسط تسير بوتيرة سريعة.

وحتى يثبت دونالد ترامب على موقف واضح ومحدد، ستبقى المنطقة على صفيح ساخن من العدوان والرد على العدوان، الى أن يقول الميدان الملتهب كلمته وعندها يُبنى على الشيء مقتضاه.


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal