رسالة الى ندى اندراوس الرصاص الطائش… حين تُستهدف الكلمة بقلم أنطوان عيروت

في مشهدٍ كان يفترض أن يتجسّد فيه العرس الديمقراطي بأبهى صوره، أُصيبت الإعلامية ندى أندراوس برصاصة طائشة أثناء تغطيتها للانتخابات البلدية في طرابلس. إنّ هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها في المناسبات لكن يجب أن تكون الأخيرة، لأنها لا تُسجّل في خانة “القضاء والقدر”، بل تمثّل نتيجة مباشرة لغياب الردع القانوني والتقاعس المزمن في مواجهة ظاهرة خطيرة لا تكترث بحياة الناس، وتُهدد أرواح الأبرياء، صورة الدولة، مفهوم المواطنة وواحب الإعلام في أداء رسالته، كما تهدّد حق الشخص في مشاركته الناس لافراحه واتراحه وذلك في ظل استمرار الطقوس العشائرية الغريزية او المدفوعة الثمن مسبقاً، والمؤسف ان اطلاق الرصاص في المناسبات السياسية قد انتقلت الى طرابلس العلم والعلماء من الطارئين عليها لا من اهلها.
إنّ إصابة إعلامي في منطقة نزاع هي من المخاطر المحتملة للمهنة، لكن أن تُصاب إعلامية خلال تغطية الانتخابات البلدية التي يفترض ان تعبّر عن وعي الناس وسلوكهم الديموقراطي، فتلك مأساة مضاعفة في لحظة يفترض فيها أن تُكرّس انتصار الديمقراطية بدلا من انتصار “عراضات الهيبة”.
إنّ ظاهرة إطلاق النار العشوائي في المناسبات – من أعراس ومآتم واحتفالات انتخابية – باتت طقسًا مألوفًا في لبنان، تُسفك فيه الدماء دون تمييز بين منطقة وطائفة او بين الأطفال والنساء والرجال، ويبقى الجاني دون محاسبة جدية في ظل تغييب الرغبة في تنفيذ العقوبات المشدّدة على ثقافة متجذّرة ترى في السلاح امتدادًا للهيبة، وتعطي لطقوس الجهل شرعية “شعبية” تحت مسمّيات الفولكلور والعراضات التخويفية التي ينتهجها بعض اهل السياسة.
امام هذا الواقع نرى إنّ القانون رقم 71/2016 الصادر في 27/10/2016، يعاني الأمرين ويا ليته لم يصدر لعدة اسباب منها لأنه لا يتم تنفيذه بحزم وحياد، ولا تتم معاقبة مطلقي النار في الهواء بأشدّ العقوبات السجنية ولأنّ تعديله تحوّل الى واجب وطني على مجلس النواب القيام به لتشديد العقوبة ولعدم استبدال العقوبة بغرامة مالية.، ولأنّ الغرامة العالية جداً والعقوبة المشدّدة هي الضامن الوحيد لردع هذه الممارسات التي تتنقّل على منطقة تلو الأخرى وعلى ابرياء لا علاقة لهم بما يحصل على ارض الواقع. وإنّ التعديل يجب ان يترافق مع التنفيذ الجدّي لان القانون غير المنفّذ يعتبر كأنه غير موجود.
ويبقى الهدف من التشديد هو حماية الأبرياء من الرصاص الطائش المعلوم الهوية المجهّل قصداً، وبالتالي نقترح على الإعلام أن تتحوّل إصابة الإعلامية ندى أندراوس إلى نقطة تحوّل، ولتكن هي نفسها المحرّك الذي يدفع الجسم الإعلامي للضغط باتجاه تعديل القانون وتشديد العقوبات وتنفيذ الاحكام، ومع ذلك فليقم الإعلام بدوره الاستقصائي ووضع الحقائق على طاولة التحقيق لمساعدة القاضي لا للحلول محله باصدار الاحكام المسبقة ولا للتأثير على قراراته بالاعلام بل لانارة دربه بالوقائع الصحيحة، وليكن الاعلام طرفا فاعلا بوصفه السلطة الرابعة وعليه تقع مسؤولية الوقوف بوجه ثقافة العراضات التي لا تُنتج سوى الألم والموت للابرياء، والكل يعلم انه لا يتم اطلاق الرصاص العشوائي في أيّ منطقة كانت إلّا وبامكان التحقيق تحديد الفاعل لا تجهيله.
على الإعلام أن يستثمر هذه الحادثة من اجل حماية المجتمع ولو بدت طارئة أو محدودة الأثر، وأن لا يميّز بين اصابة وأخرى بل يجب عليه المطالبة بتشديد العقوبة على الفعل وليس على النتيجة، لأن الفعل من مصدره يتغيّر، فإن انحرفت فوهة البدقية ملمتر واحد لحظة انطلاق الرصاصة فإن هذا الإنحراف قد يكون قاتلاً،
وليتحرّك الرأي العام من أجل تعديل القانون وتُشديد العقوبة ومنع استبدالها بالغرامات ومحاسبة الفاعل والمفعول من أجله، وكلّ من يحمي مطلق النار العشوائي، لأن الحماية تعني قتلًا مضاعفًا للناس واغتيالًا لفرحه
إن إصابة ندى أندراوس يجب أن تعيد فتح الجراح القديمة ونبش القصص المنسية لضحايا سقطوا في كل المناطق في ظروف مشابهة، لضحايا دفنهم أهلهم بصمت من دون عدالة، الى ضحايا يعيشون اليوم بعاهات دائمة من دون أن يملكوا منبرًا يوصل صوتهم ، ويجب ان يكون الإعلام في موقعه الطبيعي: حارسًا للحياة وليس فقط مرآة للواقع او منبراً لمن لا يعرف قيمة الحياة.
لذلك، على الإعلام أن يلعب دوره المحوري، مستخدمًا أدواته لخلق رأي عام ضاغط لا يمكن تجاهله، فلا يكفي بث تقارير عابرة أو تصريحات انفعالية سرعان ما تُنسى، بل يجب إعادة صياغة المأساة المتنقلة لتبقى حاضرة في الوجدان الجماعي، لأن الإعلام حين يلتزم بقضية، يستطيع أن يحوّل كل خبر إلى فرصة للتذكير بالخطر وأن يخلق وعياً شعبيًا، ونقاشًا عامًا، ويُحرج المسؤولين الذين يحمون المرتكب .
إنّ الإعلام يملك أحيانًا سلطة تفوق سلطة الدولة نفسها، لا سيما عبر التحقيقات الاستقصائية وكشف الحقائق المستور عليها، ويستطيع أن يعيد فتح الملفات القديمة التي أُهملت عمدًا، وتسليط الضوء على الحالات التي سقط فيها الضحايا برصاص عشوائي علّ المسؤلين يرتدعون ويردعون من يستأجروهم عن اذية اهلهم بالرصاص الطائش الذي لا يعرف أحداً.
ويمكن لوسائل الإعلام أيضًا تقديم خريطة توثيقية موضوعية لحالات الرصاص الطائش في مختلف المناطق اللبنانية خلال السنوات الأخيرة، مع عرض الفروقات في المعالجة الأمنية والقضائية. بعد تدعيم هذه الوثائق بالأدلة القانونية، لتصبح أداة ضغط فعالة تُجبر السلطة على العمل الجاد لا الخطاب الشكلي.
لقد حان الوقت لنقلة نوعية في مجتمعنا اللبناني، لنمنع ونمتنع عن اطلاق النار العشوائي ونبيّن الخطر المتنامي منه ونعاقب الفاعل بوصفه قاتلا محتملا كما تعاقبهم بعض الدول.
وختامًا، لتكن إصابة ندى أندراوس الشرارة التي توحّد الإعلام والمجتمع في معركة مشتركة لأنّ سلامة الجسد قد تؤثر على سلامة الكلمة، وحين تُصاب الكلمة تنهزم الحقيقة وتختفي العدالة معاً.

*نقيب محامين سابق


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal