هي معركة جديدة من حرب تحرير يخوضها أبناء الجنوب تكريسا للإرادة الوطنية والسيادة الحقيقية التي ترفض تدنيس الأرض ببقاء جيش العدو الاسرائيلي في القرى والبلدات الحدودية بعد إنقضاء مهلة الستين يوما من إتفاق وقف إطلاق النار.
بالأمس، أسقطت المقاومة الشعبية الجنوبية، المواثيق والأعراف الدولية الداعمة لإسرائيل، وأسقطت معها كل من يتشدق بالقرارات الأممية وحمايتها للبنان من الاحتلال الذي عاث فسادا على مدار ستين يوما، ونفذ ما عجز عن تنفيذه خلال الحرب، فدمّر وخرّب وإقتلع الأشجار ونسف المنشآت، أطلق نيرانه بدم بارد على العائدين الى بلداتهم أمس فإرتقى منهم الشهداء مدنيين وعسكريين وجرح عدد كبير، من دون أن تحرك لجنة المراقبة الدولية ساكنا، وهي تتعاطى مع ما يجري وفق قاعدة “صيف وشتاء على سطح واحد” وتكاد عدم جديتها وخفتها في التعامل مع كل الخروقات منذ دخول قرار وقف إطلاق النار حيز التنفيذ أن تتحول الى تواطؤ مع العدو الاسرائيلي، إضافة الى المجتمع الدولي والدول الراعية لهذا الاتفاق.
وفي الوقت الذي سارع فيه رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ورئيسيّ مجلس النواب والحكومة نبيه بري ونجيب ميقاتي الى إجراء سلسلة إتصالات مع الدول المعنية، ونجحت في إنتزاع موقف من رئيس فرنسا إيمانيول ماكرون دعا فيه “نتنياهو الى سحب قواته من الجنوب”، كان الجيش اللبناني يواكب أبناء الجنوب ويؤازرهم في مقاومتهم المدنية، فيسبقهم تارة ويسبقونه تارة أخرى، وذلك في مشهد وطني قلّ نظيره يجسد التعاون الوثيق بين الجيش والشعب والمقاومة وهي معادلة مستمرة، وقد فرضت نفسها بفعل الأمر الواقع والعدوان الاسرائيلي المتمادي، ورغما عن كل من سعى وعمل على ضربها خلال الأيام الماضية التي حاول فيها بعض “السياديين” الذين غابوا عن السمع نهائيا أن يقدموا إنتصارات سياسية وهمية.
لم يكن مستغربا عدم إنسحاب الجيش الاسرائيلي من القرى والبلدات الحدودية، وعدم تنفيذه إتفاق وقف إطلاق النار الذي إلتزمت به الدولة اللبنانية وكذلك المقاومة التي تسير في هذا الاتفاق خلفها، خصوصا أن العدو الذي يضع نصب عينيه عملية إستيطان مستقبلية في الجنوب، يعمل على إيجاد منطقة عازلة مدمرة لا حياة فيها، والى ضرب كل مقدرات البيئة الجنوبية بهدف إضعافها ومن ثم تأليبها على المقاومة، وربما كان يعتقد أن مخططاته ستمر بهدوء وستفرض بعد ذلك أمرا واقعا، إلا أن الحسابات الإسرائيلية سقطت أمام إرادة وكرامة أبناء الجنوب الذين وجهوا رسالة واضحة الى العالم أجمع حول تمسكهم بأرضهم وبذل الأرواح في سبيل تحريرها، وعدم الركون لبقاء جيش الاحتلال الذي إضطر أمام دخول المواطنين الى القرى والبلدات المتواجد فيها إما الى إطلاق النار عليهم، أو الى إخلائها وتسليمها الى الجيش اللبناني، أو الى الاختباء بين ردم وأنقاض المنازل المدمرة، ما عكس حالة من الارباك غير المسبوق سيطرت على جيش العدو.
يمكن القول، إن العدو الاسرائيلي الذي لم يخرج بعد من تداعيات هزيمته في غزة التي فاوض فيها المقاومة الفلسطينية من أجل إطلاق سراح الأسرى، بعدما كان هدف الحرب القضاء على المقاومة وإستعادة الاسرى بالقوة، تعرض أمس لهزيمة جديدة وواضحة، فكل ما حاول تكريسه خلال الستين يوما أسقطه الجنوبيون في ساعات قليلة، وهم إنتصروا في معركة الصورة التي سجلت للتاريخ وقوفهم نساء ورجالا وشيوخا بوجه الآلة العسكرية الاسرائيلية ولا سيما دبابات الميركافا والجنود المدججين بالسلاح، بينما سكان المستوطنات الشمالية ما زالوا يرفضون العودة إليها خوفا من المقاومة، كما إنتصر أبناء الجنوب في معركة القرار الذي تجسد بشجاعة إستثنائية تمثلت بدخول بعض البلدات وإستعادة الأرض رغم كل المخاطر، وكذلك إنتصروا في معركة الصمود حيث لم ترهبهم نيران العدو ولا إرتقاء الشهداء وسقوط الجرحى، فإنتصر الدم على السيف وواجهت العيون الثاقبة مخارز غدر
العدو الاسرائيلي.
إنتهت مهلة الستين يوما، وبات كل وجود إسرائيلي في الجنوب هو بمثابة إحتلال وإن حاولت أميركا تشريعه بتمديد المهلة لشهر واحد من ضمن الاتفاق، وبما أن كل إحتلال يستولد مقاومة، فإن لبنان سيكون إعتبارا من اليوم أمام مقاومة شعبية ستبذل كل ما لديها من شجاعة وجرأة وإمكانات لدحر العدو وإعادته الى ما بعد الخط الأزرق، سواء بالطرق المدنية السلمية كما حصل يوم أمس، أو ربما بغير ذلك.














