التصعيد الميداني يحرق أوراق الـ1701.. “حزب الله” متمسك بقواعد الحدود وإسرائيل ترفض

لا يزال التصعيد على جبهة الجنوب يتقدم على المساعي الدبلوماسية لتثبيت التهدئة وتطبيق القرار 1701 إذ لم تنجح الوساطات في فصل لبنان عن الحرب في غزة. وبينما تراوح المفاوضات حول الهدنة في القطاع مع إصرار بنيامين نتنياهو على اجتياح رفح، يسود الترقب لما ستؤول إليه المواجهات بين”حزب الله” وقوات الاحتلال الإسرائيلي.

وكتب ابراهيم حيدر في”النهار”:حتى الآن لم يسجل أي تقدم في الوساطة الأميركية، حيث يلف الصمت حركة المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين الذي لم يحسم زيارته إلى لبنان بعدما أجرى في إسرائيل سلسلة لقاءات لم يعلن عن نتائجها، فيما لم يرد لبنان في شكل رسمي على الورقة الفرنسية حول تطبيق القرار الدولي.

كل المبادرات الإقليمية والدولية لوقف التصعيد في جبهة الجنوب تتركز على تطبيق القرار 1701، لكنها تصطدم باستعصاءات عدة، فـ”حزب الله” يصر على العودة إلى ما قبل 8 تشرين الاول بالتوازي مع وقف اطلاق النار في غزة، فيما إسرائيل تشترط انسحاب قوات الحزب إلى شمال الليطاني بما يعني انشاء منطقة أمنية عازلة. وعلى هذا فإن تطبيق القرار الدولي يستلزم مسبقاً التوصل إلى ترتيبات أمنية واتفاقات مرحلية ترسخ التهدئة وتهيئ مناخات للتفاوض حول ترسيم الحدود البرية.

وعلى الرغم من الجهود الدولية لا سيما ما طرحته باريس في حراكها على أكثر من خط ومستوى وتوج بالورقة الفرنسية التي تسلمها لبنان، فإن الانسداد السياسي على جبهة جنوب لبنان لم يتزحزح في ضوء الاستعصاءات التي تقف أمام الوساطات. إذ تثبت وقائع التصعيد جنوباً أن إمكان التوصل إلى تهدئة تفتح الطريق للحل أو أقله اطلاق التفاوض بعد عودة السكان إلى قراهم إن كان في لبنان أو شمال فلسطين غير ناضج قبل أن تتضح وجهة الحرب في غزة. فالعودة على جبهة الجنوب إلى ما قبل طوفان الأقصى باتت مستحيلة وفق ما تعكسه المواقف الإقليمية والدولية وأطراف الصراع، وما كرسه الواقع الميداني. وإذا كان “حزب الله” يعتبر أن العودة إلى الوضع الذي كان قائماً سابقاً يشكل انتصاراً لمعركته، ولذا هو مستعد لانهاء العمليات حال وقف اطلاق النار في غزة، إلا أن إسرائيل أبلغت الوسطاء أنها لن تقبل بذلك وهي ستستمر بحربها على جبهة الجنوب ما لم يتم التوصل الى اتفاق يوقف نشاط “حزب الله” العسكري.

الورقة لوحيدة المطروحة للنقاش اليوم هي الوثيقة الفرنسية، بالتوازي مع مشروع هوكشتاين. خضعت بنود الورقة الفرنسية للتعديل لكنها لا تزال تصطدم بربط لبنان بجبهة غزة وعدم القدرة على نزع فتيل الحرب، وهي تقضي بوقف العمليات العسكرية لـ”حزب الله”، مقابل وقف الخروق الإسرائيلية، وتشمل إعادة تموضع الحزب في مناطق انتشاره في الجنوب. وهذه النقطة الأخيرة هي التي خضعت للتعديل، وذلك على الرغم من أنها لا تحدد مسافة لانسحابه من المنطقة الحدودية، إذ تركت لمرحلة لاحقة اي للتفاوض.

وفي المرحلة الثالثة يبدأ التفاوض حول الحدود البرية لحل النزاع حول النقاط الـ13 المتنازع عليها، مستثنية مزارع شبعا المحتلة مع الجولان السوري عام 1967، وصولاً إلى تطبيق القرار 1701 وانتشار الجيش اللبناني على طول الشريط بين لبنان وإسرائيل.

حتى الآن لم يعلن لبنان موقفه الرسمي أو يسلم رده على الورقة، وهذا يعكس إلى حد بعيد رهانه الأول على الوساطة الاميركية. وانطلاقاً من ذلك يبدو أن الورقة الفرنسية غير قابلة للتنفيذ، ليس بسبب موقف “حزب الله” والسقوف الإسرائيلية المرتفعة حولها، بل لأنها لا تستند إلى رافعة قادرة على الضغط مع تغطية إقليمية ودولية، وذلك على الرغم من أن باريس تشارك في القوات الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفل). ولذا يبقى الرهان قائماً ولا يزال على الوساطة الاميركية للتوصل إلى تسوية تنهي الصراع القائم، فيما جهود فصل لبنان عن غزة مرتبطة بانجاز الهدنة ووقف اطلاق نار مستدام ينسحب على الجنوب.

وبينما يواجه لبنان استحقاقات عدة في المرحلة المقبلة، ومنها التجديد للقوات الدولية العاملة في الجنوب في آب المقبل، فإن بقاء الجبهة مفتوحة سيؤثر على الوجهة الدولية في التعامل مع بقاء هذه القوات، خصوصاً وان دورها رئيسي في تطبيق القرار 1701. ومنذ اليوم تتوجه الانظار إلى الدور المحتمل لقوات اليونيفل، فما لم يتم التوصل الى التهدئة واطلاق التفاوض سيكون التجديد لها عسيراً، وقد تمارس ضغوط إما لتعزيز صلاحيات هذه القوات للقيام بدورها كاملاً أو لخفض عديدها أو حتى انهاء مهماتها وذلك على الرغم من أن الفرنسيين متمسكون بمشاركتهم في مهماتها.

ويُفهم من الاستعجال الفرنسي لتثبيت التهدئة أنه استباق لتطورات محتملة بالتوازي مع الحرب على غزة. فورقة فرنسا لا تختلف كثيراً عما بحثه المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين في لبنان وإسرائيل خلال الشهور الماضية، فهناك تقاطع بين الطرفين، رغم الأولويات الأميركية المختلفة التي تستند في مشروع هوكشتاين إلى التطبيق الكامل للقرار 1701 بما يعني إخلاء المنطقة من ايّ مراكز عسكرية ومظاهر مسلحة خارج اطار الجيش اللبناني. ويركز الأميركيون في وساطتهم التي رفضها “حزب الله” على الشق الأمني والذي يتمثل بإبعاد عناصر الحزب عن الحدود، علماً ان لبنان طالب بتنفيذ القرار 1701 من الجانبين ووقف الاعتداءات والخروقات لأجوائه البرية والبحرية والجوية. ولذا اصطدمت مهمة هوكشتاين برفض “حزب الله” والشروط الإسرائيلية، وذلك على الرغم من أن الأميركيين لا يزالون يضغطون لمنع إسرائيل من توسيع الحرب على لبنان.

طرح على هامش المفاوضات الدولية أيضاً إمكان الدمج بين القرار 1701 واتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل 1949، حيث يستند التفاوض بعد وقف للنار على الحدود والنقاط المختلف عليها في الخط الأزرق على ما يحمله القرار الدولي واتفاق الهدنة، بهدف تأمين استقرار مستدام. لكن تطبيق القرار 1701 يصطدم بما قدمه كل طرف من شروط عالية السقف.

لكن الدمج بين اتفاق الهدنة والقرار 1701 لا يبدو واقعياً، فالنقطة المتعلقة بمزارع شبعا ستبقى مفتوحة على الصراع كما كانت بعد العام 2000 تاريخ انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان. فمزارع شبعا احتلت عام 1967، عندما كانت المنطقة خاضعة للسيطرة السورية بموافقة لبنانية. ودفع احتلال الجولان السوري المحاذي للمزارع الأمم المتحدة الى حسم إدراجها تحت القرار 242، من دون بروز اي موقف لبناني يسمح بإبقاء المنطقة في الخريطة اللبنانية.

توازياً مع الوساطات لتطبيق القرار 1701، باتت كل الجهات الدولية مقتنعة بأن عودة الوضع على جبهة الجنوب إلى ما قبل 8 تشرين الأول 2023 غير ممكنة. ولأن ذلك يتطلب ترتيبات أمنية وسياسية مرتبطة بتطبيق القرار الدولي، يتهم “حزب الله” حركة الموفدين الدوليين بمن فيهم الفرنسيون، بأنهم يقدمون مصلحة إسرائيل على لبنان. لكن الحزب يدرك أن الواقع في الجنوب بات مختلفاً وحدثت تغيرات لا يمكن العودة معها إلى الوراء، ولذا هو يخوض معركته التي يقدمها اليوم لحماية لبنان مع الاستنزاف الذي يتعرض له للعودة إلى تثبيت المعادلات السابقة وقواعد الاشتباك القديمة، بما يعني أنه غير مستعد لسحب قواته وسلاحه إلى خارج المنطقة أو حتى سحب جزء منه واعادة تموضع قابلة للتفاوض وفق الورقة الفرنسية.

الورقة الفرنسية قد تكون الأخيرة في جهود باريس لتطبيق القرار 1701، ورفض لبنان لها في ظل الرهان على الوساطة الأميركية قد يفاقم الوضع الجنوبي ويزيد من العزلة الدولية للبنان. وفي المحصلة، إذا لم تتمكن الوساطات من فتح نافذة لتثبيت التهدئة واطلاق التفاوض، ستتحول جبهة جنوب لبنان إلى ميدان عمليات واسعة. واذا استمر الوضع لفترة طويلة خصوصاً مع اجتياح إسرائيل رفح، سيكون لبنان أمام حالة استنزاف خطيرة، وأكثر الساحات التي تدفع ثمناً في المواجهة.


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal