تكريم 3 مبدعين ساهموا في نشأة دولة لبنان الحديثة

نظمت الجمعية الثقافية الرومية، صباح اليوم، في قاعة المحاضرات في بلدية الجديدة – المتن، اللقاء العلمي الثاني بعنوان “لبنان الكبير بعد مئة عام: أزمة وجود أم أزمة حكم؟”، وفاء لذكرى الشهادة الرومية في 29 أيار 1453 وللمبدعين الذين ساهموا في تأسيس دولة لبنان الحديثة.

تضمن برنامج اللقاء جلستين حول “تاريخية الكيان اللبناني والأزمة المستمرة مع عناصر حلها”، أدارهما الاعلاميان جورج صليبي وماجد بو هدير وحاضر فيهما الوزير السابق ابراهيم الضاهر، الصحافي توفيق شومان، الدكتور نجيب جهشان، العميد الدكتور كميل حبيب، الدكتورة ليليان زيدان والدكتور محمد علي مقلد. وتولى التعقيب كل من المحافظ السابق نقولا سابا والدكتور انطوان مسرة.

وعرضت الجلستان مواضيع عدة، أبرزها: قراءة جديدة للأسس التاريخية والجغرافية للبنان، ولمواقف الطوائف من تأسيس لبنان الكبير واستمراريته، والرابط بين القومية وبناء الأوطان، صيغة حكم لبنان والأزمات المتتالية، تجربة الروم الأرثوذكس في الرئاسة والحكم، وإشكاليات الولاءات للخارج والانتماء للوطن.

وفي خلاصة اللقاء، عرضت لجنة مواكبة الشأن العام في الجمعية رؤية وطنية جديدة باحثة في عناصرها وسبل تحقيقها.

وتخلل اللقاء تكريم 3 مبدعين سجلوا في السجل الذهبي للمبدعين الروم الراقدين وساهموا في نشأة دولة لبنان الحديثة: شارل دباس، بترو طراد وشبل دموس.

شبيب

ترأس اللقاء القاضي زياد شبيب، الذي قال: “اجتمعنا اليوم بمبادرة فريدة من الجمعية الثقافية الرومية حول موضوع وجودي لا يزال يؤرق الكثيرين، وهو مصير لبنان. والمسألة تطرح بعد مرور مئة عام على لبنان الكبير لأن خللا يوجد في مكان ما، في التكوين أو في الحكم”.

وأشار إلى أن “الجمعية الثقافية الرومية لا تشبه أحدا، فهي لا تشبه إلا تراث الحضارة التي أخذت على عاتقها رسالة كشف كنوزها أي أنها ترتكز على تراث من الإبداع في مجالات الحياة كافة. ولهذا السبب، وضعت مسافة بينها وبين الشأنين الديني والسياسي، ولم تتعاط أيا منهما”، وقال: “تسميتها حضارية صرف لا مدلول دينيا أو طائفيا لها. وإذا كان الروم اليوم لا يزالون يحملون التسمية نفسها فهم يعلمون بأن تاريخهم لم يكن يوما طائفيا ومستقبلهم لن يكون كذلك أيضا، وما الجمعية إلا أحد تجليات هذه الحقيقة، فهي اليوم أخذت المبادرة للبحث مع اللبنانيين عن مكمن الخلل في بنيان الوطن ولم تنحرف إلى المطالبات الفئوية حول الحصص والمناصب والأدوار. وفي إطار دورها الثقافي، بادرت إلى التفكير في سبل الخلاص للجميع. تسبب النهج غير الطائفي عندكم بانحسار كبير في الحضور في السلطة، وهذا طبيعي لأن السلطة عند أهلها في بلدنا هي سوق، ومن لا يحضر السوقَ لا يبيع ولا يشتري. أنتم خارج البازارات التي حصلت على امتداد المئة عام، لكنكم لستم خارج التاريخ، بل أنتم من ساهم في صنعه في الماضي عبر المبدعين من بينكم، ورسالتكم اليوم أن تصنعوا التاريخ مرة جديدة عبر رؤية وطنية تتضمن فكرا جديدا لا ينطلق من منطلق فئوي، بل يطمح إلى إنقاذ الجميع”.

أضاف: “المتصارعون اليوم على السلطة والمناصب عاجزون عن الحكم، وعاجزون عن المبادرة، وعاجزون عن الاتفاق. وهذا سبب التخبط المستمر والانهيار الأخير. وحالة الاستعصاء الكبير تستغل لفتح باب تسويات سلطوية جديدة يسمونها مؤتمرا تأسيسيا، وهو إن حصل، لن يكون إلا نسخة جديدة من التسويات واتفاقات تقاسم السلطة والنفوذ السابقة بين أفراد الجماعة الحاكمة، والتي لم تؤد يوما إلى بناء الدولة”.

ووضع شبيب خلاصات الكلمات التي ألقيت على الشكل الآتي: 

“1 – إذا كان في الماضي، عند إعلان لبنان الكبير، من شرائح معترضة على وجود هذا البلد، فاليوم الوضع أصبح مختلفا، والجميع أصبح مؤمنا بوجوب استمرار لبنان في الوجود والجميع يضع لبنان أولا. أما التنازع على السلطة أو الهيمنة والتناوب على الصدارة بين قيادات الطوائف الثلاث الأكثر عددا وما أدى ويؤدي إليه ذلك من اختلالات وأزمات وجودية، وصولا إلى الانهيار الحالي، فلا شأن له بالموقف الشامل لدى عموم اللبنانيين المتعلقين بلبنان والمتمسكين به وطنا نهائيا.

2 – المرويات العاطفية حول تاريخية لبنان أو أسسه التاريخية والجغرافية وبصرف النظر عن مدى صحتها وعن النظريات المناقضة لها، فإنها ليست شرطا لإقرار حق لبنان بالوجود طالما أن هذا الوجود أصبح راسخا ويجتمع على ضرورته كل من يحب هذا البلد في الداخل والخارج.

3 – في بداية القرن العشرين كانت فكرة القومية رائجة وظهرت مستويات عدة منها، القومية اللبنانية والسورية والعربية. كما انتشرت الأفكار الرأسمالية والماركسية، وتأسست أحزاب نادت بتلك الأفكار، كان المؤسسون أو المنظرون في معظمها من الروم. وحصلت صراعات حول تلك الأفكار ما زالت ذيولها قائمة. بعد توضيح الإشكالات الناجمة عن مصطلح الأمة والقومية في اللغة العربية، ينبغي اليوم التركيز على فكرة الوطن، وهي تقوم على إرادة العيش سويا أي إرادة الشعب بكل مكوناته على أرض محددة، في ظل مشروع وطني واحد واضح، وهو العنصر الأساس. وإن وجود الأوطان ليس حقا مكتسبا، إنما هو حق يكتسب فلا مكان لأي وطن إن لم يتضح لمشروعه أي قيمة إضافية ثقافية أو حضارية او حتى عملية في عالمنا. وللبنان مشروع وطني حضاري ذو قيمة مضافة يعترف له بها المجتمع العالمي ودول المحيط وهو مشروع تفاعل الأديان والثقافات.

 – إن الطائفية والتوافقية المتلازمة معها تقفان حجر عثرة أمام بناء الدولة والمواطنة ومداخل الحل: حل معضلة الدفاع عن لبنان وفق المبادئ الدستورية، توسيع اللامركزية الادارية، استقلالية القضاء، وقانون انتخابات يؤمن صحة التمثيل وفعالية الصوت الانتخابي.

5 – إن تجربة شخصيات من خارج التوزيع الحالي للمناصب على الطوائف المتصارعة على السلطة، قد أثبتت فعاليتها في مرحلة تأسيس لبنان ولا بد من استعادتها، وتكريم عدد منهم اليوم واجب وطني وأخلاقي.

6 – إن دولة ما بعد الطائف لم تكن دستورية لا من قريب ولا من بعيد، بل هي دولة انتهك فيها الدستور واستبيحت القوانين وتم تخريب مؤسسات الدولة. الأزمة ليست أزمة وجود ولا أزمة حكم، هي أزمة حكام، والحل بالدولة. يبدأ الحل بالدستور، ودستور الطائف اللبناني كتب بدم مئات آلاف الضحايا من الشهداء والجرحى والمعوقين، ولا ينقص سوى تطبيقه. وبعد تطبيقه، يمكن أن تنكشف عيوبه ونواقصه ويصبح من واجب المشرعين تعديل ما ينبغي تعديله. لذلك، يمكن القول إن الثورة اللبنانية أبدعت حين استبدلت شعار الشعب يريد إسقاط النظام بشعار الشعب يريد تطبيق النظام”.

وعرض شبيب الرؤية الوطنية للبنان في المئوية الثانية التي قدمتها الجمعية، وقال: “إن تاريخ لبنان يشير إلى إزدواجية سيطرت بشكل مستمر على الحياة السياسية، نابعة من تضاربِ الانتماءات الدينية والتأثيرات الخارجية. وتنبع هذه الإزدواجية من واقعين هما: حتمية العيش المشترك على أرض واحدة وفي بيئة طبيعية واقتصادية ولغوية واحدة، أكانت تتمتع بالاستقلال ومعترف بها كدولة لبنان المستقلة، أم هي جزء من كيان أكبر يضمها الى مناطق أو ولايات أخرى كالدولة العثمانية تشاركها بعض المصير أو بعض اللغة أو بعض الثقافة أو بعض المصالح الإقتصادية”.

أضاف: “تنوع المكونات البشرية التي تتخذ من الإنتماء الديني هوية لها، وهي، في طبيعتها وتاريخها، مخلفات إنتماءات عرقية أو عقائدية أو سياسية أو تبعية، مرتبطة كلُها بتاريخ البلاد المحلي أو بالدول والإمبراطوريات التي كانت، لحين، تحكم هذه البلاد وتجعلها جزءا من إمتداداتها. وقد ترسخت هذه الإنتماءات الى درجة جعلتها معادلة بقوتها وتأثيرها لحتمية العيش المشترك”.

وتابع: “إن هذه الإزدواجية أرخت بثقلها على الواقع اللبناني منذ تأسيس كيان لبنان الكبير، وتجلت بشكل غير مباشر في الدستور اللبناني: فمن جهة أولى، تنحو مقدمة الدستور في إتجاه حتمية العيش المشترك بتعريفها لبنان كوطن نهائي لكل أبنائه، واحد أرضا وشعبا ومؤسسات في حدوده المنصوص عنها في هذا الدستور والمعترف بها دوليا. ومن جهة أخرى، يعترف الدستور بتنوع المكونات الطائفية ويتضمن توزيعا للمناصب الدستورية والوظائف في الدولة حسب هذه المكونات”.

وأردف: “انطلاقا من هذا المعطى، ينبغي مقاربة المسائل الإشكالية الأساسية وفقا لما يلي، لقد تحولت الطائفية السياسية مع السنوات إلى نظام للمحاصصة والزبائنية التي تقوم على اختصار مرجعيات سياسية طائفية للطوائف التي يمثلونها والمشاركة باسمها في السلطة وفي تقاسم موارد الدولة، بدلا من أن تكون شكلا من أشكال الضمانة للتنوع في المجتمع اللبناني”.

وقال: “تصارعت زعامات الطوائف الثلاثة الأكبر عددا في ما بينها طوال قرن للسيطرة على السلطة في لبنان، في مناخ من الخوف من إنعدام التوازن الديمغرافي. وفي هذا السياق، استطاعوا السيطرة على الطوائف الأصغر عددا وألحقوها بهم لتعزيز مكانتهم”.

أضاف: “الصراعات على السلطة زادت الطائفية ترسخا في النفوس وفي النظام، لا سيما في السنوات الثلاثين الأخيرة وبعد أن تحولت ميليشيات الحرب إلى قوى سياسية واستلمت مقاليد الدولة وأضحت نموذجا للقوى والزعامات التي برزت بعد ذلك في العمل السياسي”.

واعتبر شبيب أن “مبدأ إلغاء الطائفية السياسية الذي نص الدستور اللبناني على أنه هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية، لم يعد كذلك، لأنه تحول سيفا مصلتا يستخدم للتهديد بالطغيان العددي، ولكن الموجب الدستوري يبقى قائماً وواجب التنفيذ والمباشرة على الأقل بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية كما ينص الدستور والتي أول أعمالها ينبغي أن يكون إيجاد ضمانات حقيقية للتعددية بديلة عن التملك القائم حاليا للمناصب والمواقع.

وهو لا يفيد شيئا ما لم تسبقه أو تحل مكانه عملية طمأنة الطوائف إلى وجودها الذاتي وازدهارها كمكون محمي وحر في لبنان، لا يتناقض وجوده مع وجود الدولة اللبنانية، بل عكس ذلك يطمئن إلى أن الدولة هي ضمانة وجوده وازدهاره”.

وقال: “إن طمأنة اللبنانيين تتحقق بالفصل بين ما هو حصرا وطبيعيا شأن عام أو مشترك كالأمن، والدفاع، والسياسة الخارجية، والزراعة، والصناعة، والنقل، والتجارة، والمال، والسياحة، والقضاء المدني، وغيرها، وبين الطوائف الدينية وما تعتبره المكونات الطائفية من صلب كينونتها وتاريخها وحضورها كممارسةِ الشعائر والطقوس، والأحوال الشخصية، والثقافة، والقيم الإجتماعية، والتربية وغيرها”.

أضاف: “تكون الفئة الأولى المساحة المشتركة للعيش معا، أي الشأن العام، La chose publique، ويكون في هذا الحيز العام مفهوم واحد للمواطنة اللبنانية يقوم على المساواة وعدم التمييز، في حين تكون الفئة الثانية الخاصة بكل مكون طائفي مفهوم الإنتماء الطائفي. ويبنى حينئذ نظام الدولة اللبنانية على هذه الأسس التي تفصل بين ما هو شأن عام وما هو شأن طائفي. وتكون حينذاك للدولة المدنية التي تعنى بالشأن العام هيكليتها الكاملة المجردة من الإنتماء الطائفي، والتي تحفظ التنوع والتمييز الإيجابي بين مكونات الوطن، وتكون، في المقابل، للطوائف، في الكيان اللبناني، شؤونها الدينية والثقافية الخاصة الداخلية التي تصونها الدولة المدنية بسلطة القانون”.

وعن الولاء للخارج، قال: “إن الطوائف اللبنانية هي نتاج تاريخ الدول والإمبراطوريات التي كانت، لحينٍ، تحكم هذه البلاد وتجعلها جزءا من إمتداداتها، فمن الطبيعي أن تجد الطوائف لها إمتدادات خارج الكيان اللبناني الجغرافي، وأن تشعر بإرتباطات عاطفية أو إثنية أو دينية أو ثقافية مع كيانات أخرى أو جماعات مقيمة خارج لبنان. لذلك، لا يجوز مطلقا النظرُ الى هذه الإرتباطات كأنها غير طبيعية، وأن يخون الشاعرون أو القائلون بها، إلا أن الإعتراف بأحقية هذه الإرتباطات يلزمُ الدولة بحصرها بما يعتبر من صلب تكوين الطوائف وتاريخها وحضورها الثقافي والديني، وبمنعِ أي ارتباط في كل ما هو داخل في مفهوم الشأن العام. ولكي تكون الدولة اللبنانية عادلة بين كل أبنائها ومجردة من كل ميل الى مجموعة من دون أخرى، فمن الواجبِ أن يتضمن الدستور منعا كليا لأي ولاء خارجي على مستوى الدولة والأحزاب والطوائف، كما على مستوى الأفراد”.

وعن الأحزاب، قال: “إن الأحزاب القائمة على اختلاف مسمياتها وشعاراتها متشابهة في البنية والأهداف، وكلها تتكون من فئة طائفية واحدة بحيث أصبح بعضها مرادفا لطوائف معينة، وتعمل حصرا لهدف واحد هو وصول وبقاء زعيمها في السلطة داخل المؤسسات الدستورية أو خارجها”.

أضاف: “إن الخروج من الحلقة المفرغة لا يمكن أن يحصل بالأدوات نفسها التي أوصلت البلد إلى هذه الحال لأن وجود القوى السياسية القائمة واستمرارها مرتبط بدوام العناصر الإشكالية المذكورة نفسها، ولا بد من ظهور قوى سياسية جديدة تشبه الوضع الذي نطمح إليه وليس الوضع الحالي”.

وأشار إلى أن “الأحزاب السياسية التي نأمل ظهورها وندعو إليها، يجب أن تقوم على قاعدة المواطنة والانتماء النهائي للوطن، وأن يكون الهدف من عملها السياسي تحقيق الصالح العام وبناء دولة الحق”، وقال: “يجب أن يكون تكوينها مشابها للتنوع اللبناني بكل أطيافه، وأهدافها تشبه أحلام عموم اللبنانيين وطموحاتهم لا طموحات شخص واحد وأحلامه”.

أضاف: “الشعب اللبناني أثبت أنه يريد التغيير وأنه قادر على ذلك وبالتالي على العاملين في الشأن العام أن يقدموا له النموذج أو النماذج الجديدة من العمل السياسي المنظم في إطار حزبي جديد مناقض للموجود”.


مواضيع ذات صلة


Post Author: SafirAlChamal