اقتحام ″الأقصى″.. محاولات مستمرة لأكثر من 42 جماعة يهودية بالتنسيق مع شرطة الاحتلال

قالت “الجزيرة” انه في الثاني من شباط الفائت اقتحم 9 مستوطنين المسجد الأقصى، وحين همّوا بالصلاة الجماعية شرقيّه قرب باب الرحمة، احتاجوا رجلا يهوديا عاشرا لإكمال نصاب الصلاة (المنيان) وفق شريعتهم، فما كان من الشرطي الإسرائيلي المرافق لهم إلا أن تطوّع لإكمال النصاب وصلى معهم.

وقبل شهرين، وفي ذات الموقع (المنطقة الشرقية)، وتحديدا في 14 كانون الأول 2021، كان شرطي مرافق لمجموعة مقتحمين يتجول بينهم ويحدق في وجوههم بتركيز لمنعهم من التمتمة أو الصلاة بصوت مرتفع، وحين ضبط أحدهم يفعل ذلك، اقترب منه وهدده بإخراجه من المسجد إن كررها.

قصتان حقيقيتان متناقضتان، وثقها ونشرها مستوطنون مقتحمون للأقصى يندرجون ضمن ما تعرف بجماعات الهيكل أو المعبد، لكنهم يتفاوتون في رضاهم أو سخطهم على أداء رجال شرطة الاحتلال الإسرائيلي، التي تسيطر على أبواب المسجد وتتكفل بتأمين مجموعات المستوطنين خلال اقتحامهم بمساعدة فرق القوات الخاصة.

تيار راض

وفي تتبع مطوّل لمنشورات جماعات الهيكل على منصاتهم الإلكترونية، يبرز تيار راضٍ عن شرطة الاحتلال ودورها في تأمين اقتحامهم للأقصى، فقد روّجت مثلا منصة المقر الرسمي لتنظيمات الهيكل (متا أرجوني همكداش) لإعلان “مكتب توظيف شرطة إسرائيل” عن وجود شواغر في “دورية جبل الهيكل”، وحثت المنصة متابعيها على التقدم للوظيفة قائلة إنها تجمع “بين الوفاء الأيديولوجي والكسب المادي”.

أما خلال عيد المظلة اليهودي (سوكوت) في سبتمبر/أيلول الماضي، فقد نشرت منصة “منهيلت هار هبايت” -أي: إدارة جبل الهيكل- صورة تجمع بين قائد شرطة الاحتلال في الأقصى آرون بيتون والحاخام الرابي شموئيل مورينو، وهما يتصافحان بحرارة داخل المسجد الأقصى، وكتب في المنشور أنهما “يتمنيان عطلة سعيدة على جبل الهيكل”.

إضافة إلى منشور يدعو بالشفاء لما يسمى بقائد شرطة القدس السابق يورام هاليفي بعد إصابته بحادث، مرفق بصورة لأحد المقتحمين وهو يهمّ بتقبيل رأس هاليفي داخل الأقصى، ويصف المنشور هاليفي بأن “اليهود أصبحوا محبوبين ومدعومين في جبل الهيكل أثناء توليه منصبه”.

وصورة أخرى على جسر باب المغاربة قرب باب المسجد الأقصى، تظهر مستوطنين يرقصون ويغنون قبيل الاقتحام برفقة شرطية مبتسمة، ورافق الصورة التعليق التالي “الشرطة تستقبل الصاعدين إلى جبل الهيكل بشكل لائق، عطلة أسبوع مباركة ومليئة بالتحديات”.

إلى جانب صور ومقاطع فيديو كثيرة داعمة للشرطة ومظهرة الحالة الودية بينها وبين مقتحمي الأقصى”.

تيار ساخط

على النقيض، يبرز تيار آخر من المقتحمين ساخط على أداء الشرطة، ويهاجم التيار الذي يترأسه توم نيساني مرارا وزير الأمن الداخلي في حكومة الاحتلال عومير بارليف، ويقول إنه منذ توليه منصبه “أُبعد نشطاء جبل الهيكل دون سبب كاف”.

ويقول نيساني إنه أبعد 6 أشهر بحجة أن وجوده في الأقصى “يؤدي إلى إصابة جسدية أو أضرار في الممتلكات”، ويوثق تعرّض الشرطة المتكرر لطاولته التي نصبها على مدخل حائط البراق احتجاجا على إبعاده.

ويبدي هذا التيار انزعاجه من التفتيش الأمني قبيل اقتحام الأقصى، ويدّعي تعمّد الشرطة تأخير بعض المقتحمين وتعرضهم لتفتيش جسدي، وإخراج بعضهم منه عنوة، إضافة إلى مقاطع فيديو لمشادات كلامية بين المقتحمين والشرطة داخل الأقصى وعلى أبوابه، وصولا إلى رفع قضايا ضد بعض أفراد الشرطة، والمشاركة في مناقشات لجنة الأمن الداخلي الإسرائيلي في الكنيست حول الترتيبات الأمنية في الأقصى.

وقبل تفسير أسباب تباين مواقف المقتحمين تجاه شرطة الاحتلال في الأقصى، يعرّفنا الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص على بنية الفريقين وتصنيفاتهما.

خلفية مقتحمي الأقصى

كل مقتحمي المسجد الأقصى ينتمون إلى تيار الصهيونية الدينية لمؤسسها الحاخام أبراهام كوك، الذي يعيد تفسير النصوص التوراتية على أسس صهيونية دينية، ويتعامل مع الصهيونية وكأنها المخلّص المنتظر.

وعلى عكس بعض التيارات الدينية، تتبنى الصهيونية الدينية فكرة وجوب دخول “جبل الهيكل” -أي المسجد الأقصى- قبل مجيء “المسيح” المنتظر، وصولا إلى فكرة “توريط الرب”، وحتمية إقامة الهيكل و”تحقيق الطهارة” أولا حتى يأتي المخلص.

توسع هذا التيار وازداد مريدوه من الحاخامات وأتباعهم الذين ينتمي غالبيتهم للتيار القومي الديني، مع تباينهم في درجة التدين، حتى أمسوا اليوم أكثر من 42 جماعة ومؤسسة تعمل على اقتحام الأقصى وتسعى لإعادة بناء الهيكل المزعوم.

أولى الجماعات نشأة هي “أمناء جبل الهيكل” لمؤسسها جرشون سلمون، وجماعة “معهد الهيكل” لمؤسسها يسرائيل أرئيل، التي تعتبر المؤسسة الأم لجماعات الهيكل، وتواليها الجمعيتان الاستيطانيتان البارزتان “عطيرت كوهنيم” و”إلعاد”، ولاحقا نشأت جماعة “نساء لأجل الهيكل”، و”طلاب لأجل الهيكل” برئاسة توم نيساني، وجماعة “تراث جبل الهيكل”، كما أدى ائتلاف الجماعتين السابقتين إلى تأسيس جماعة “جبل الهيكل بأيدينا” (بيدينو).

بنية الشرطة بدءا من الأوسع سلطة، تنقسم رتب شرطة الاحتلال في القدس إلى الآتي: قائد شرطة لواء القدس، وقائد منطقة البلدة القديمة، وضابط الأماكن المقدسة، وضابط “الحرم القدسي” (أي المسجد الأقصى)، والأخير يتبع لمن سبقه ضمن تراتبية هرمية تصل إلى قائد لواء القدس، ويعتبر نفسه مدير الأقصى، وينظر إلى الأوقاف الإسلامية أنها هيئة خاصة تحت سيطرته.

ويؤكد الباحث ابحيص للجزيرة نت أن شرطة الاحتلال شهدت عملية تحوّل منذ عام 2000، حيث كانت قبل هذا العام تمنع اليهود من دخول الأقصى إلا بأوامر وتنسيقات محددة، لكن بعده شهد العكس مقابل تقييد دخول المصلين المسلمين إلى أقصى حد، وفتح المجال للاقتحامات خلال الأعياد اليهودية حتى لو تزامنت مع مناسبات إسلامية دينية كشهر رمضان.

تفسير موقف الشرطة

يرجع الباحث ابحيص أسباب تباين مواقف شرطة الاحتلال تجاه المقتحمين في بعض الأحيان إلى وجود تفاوت في تفسير قيادات الشرطة وضباطها لمساحة الشرطي وصلاحيته، ومعنى التغيير الحاصل قبل 22 عاما، لكن الثابت أن الاتجاه العام منذ عام 2019 هو تمكين جميع اليهود من أداء الطقوس والصلوات في الأقصى، إلا عندما يشكل ذلك خطرا، إضافة إلى التزام الشرطة بقرار القاضية بيلها يهالوم الذي يسمح بالصلاة الصامتة، علما بأن يهالوم تنتمي لجماعات الهيكل.

لذلك نرى أن المشهد العام هو استقبال الشرطة للمقتحمين وترحيبها بهم عند باب المغاربة، وتأمين اقتحامهم لدرجة تصل إلى منع أي مصل مسلم من المرور أو التواجد في مسارهم، وإبعاد حراس الأقصى التابعين للأوقاف مسافة كبيرة عن مجموعات المقتحمين. مع التأكيد أن تقييدات الشرطة تجاه المقتحمين لا تذكر مقارنة بالتقييدات المضاعفة تجاه المصلين المسلمين.

كما أن شرطة الاحتلال تحاول الظهور إعلاميا بمظهر الجهة المحايدة العادلة التي تقف على مسافة واحدة من الطرفين، وتحاول “فرض الأمن والنظام” في المسجد الأقصى، على اعتبار أنه مكان مقدس لليهود أيضا ويحق لهم دخوله والصلاة فيه.

أسباب تباين جماعات الهيكل ويوضح ابحيص أن جماعات الهيكل تتبع إستراتيجيتين مختلفتي الظاهر متكاملتي الباطن.

فالتيار الأول يمثله المقتحم الراضي الذي يمدح الشرطة ويتودد لها مثل آساف فريد ويهودا غليك، والثاني يمثله المقتحم المتذمر الساخط الذي يطالب دائما بالمزيد وينتقد الشرطة باستمرار لدفعها للعمل أكثر لصالح الجماعات مثل رفائيل موريس وتوم نيساني.

إضافة إلى سعي الجماعات المتواصل لاختراق الشرطة والحكومة من فوقها، فتدعو أفرادها للانتساب إلى سلك الشرطة، وتتقرب من وزراء الأمن الداخلي وسياسيين في حكومة الاحتلال لتمرير مصالحهم في الأقصى مثل أمير أوحانا وآفي دختر وتساحي هنغبي. 

المصدر: االجزيرة


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal