التفلّت الأمني شمالا يثير القلق: هل عُدنا الى صندوق البريد؟… عبد الكافي الصمد

لم تمرّ الحوادث الأمنية التي شهدتها مدينة طرابلس ومناطق شمالية مختلفة كأنّها أمر عادي، ولا أنّها حوادث فردية تشهدها طرابلس وجوارها بشكل يومي من غير أن يتم التوقف عندها بقلق بالغ، أو قراءة أبعادها ومؤشّراتها ودلالاتها.

القلق الذي ساد مختلف الأوساط في طرابلس عاد إلى التوقيت الذي حصلت فيه هذه الحوادث، وهي أنّها جاءت بعد إشتباكات مستديرة الطيّونة بين منطقتي الشيّاح وعين الرمانة، والتي كادت تؤدّي إلى اندلاع الحرب الأهلية مجدّداً من النقطة التي اندلعت منها في 13 نيسان 1975 بعد حادثة البوسطة الشهيرة عامذاك.

كما أن الأحداث التي شهدتها العاصمة الثانية ومناطق شمالية أخرى جاءت في أعقاب الخلافات السياسية الحادّة التي نشبت بسبب التحقيقات الجارية في أحداث تفجير مرفأ بيروت، وما تركته من إنعكاسات أصبحت تهدّد مستقبل الحكومة وتنذر بانفراط عقدها، كما جاءت الأحداث الأمنية في عاصمة الشّمال في ظل التجاذب السّياسي الحاد حول قانون الإنتخابات النيابية وموعدها.

هذا القلق والمخاوف نبعت من أن طرابلس لطالما استخدمت من قبل أطراف سياسية وأمنية كصندوق بريد لتبادل رسائل سياسية وأمنية متفجّرة، في منطقة اعتبرت مثالية من أجل تبادل هذا النوع من الرسائل، التي كانت بعض الأحيان خارجية وليس فقط رسائل داخلية، وكونها أرضاً خصبة لهذا النوع من النزاعات، لأسباب عديدة أبرزها إهمال الدولة التاريخي لها، والفقر المدقع الذي يعيشه أغلب سكانها، وهو ما أكدته كلّ الأرقام والإحصاءات التي أجرتها جهات رسمية وخاصة، لبنانية ودولية، صنّفت مدينة طرابلس، ومعها مناطق المنية والضنّية وعكّار، على أنها من أكثر المناطق فقراً وتهميشاً وحرماناً في لبنان.

ولكي لا ينسى الطرابلسيون والشّماليون كون ذاكرة الجميع ما تزال حيّة وناشطة، فإنّ جولات الإشتباكات الـ22 التي شهدتها طرابلس بين منطقتي باب التبّانة وجبل محسن لم تكن إلا لأهداف سياسية واضحة، وأنّ البعض إستخدم عن سابق إصرار وتصور هذه الخاصرة الرخوة في مدينة طرابلس بهدف توجيه رسائل داخلية وخارجية في أكثر من اتجاه، وأنّ دورة العنف لم تتوقف في 1 نيسان 2014، إلا عندما وصلت الرسائل إلى حيث أن تصل، وحققت أهدافها.

واليوم يُخشى أن تكون الأحداث الأمنية التي تشهدها طرابلس مقدمة لتفجير أمني من هذا النوع، مثل حادثة إطلاق النّار بين جندي في الجيش اللبناني والشيخ بلال دقماق بسبب خلاف فردي، ورفع صورة لرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في طرابلس برغم ما لذلك من حساسية بالغة في المدينة، والإشتباكات العائلية الدامية التي شهدتها بلدتي وادي الجاموس وببنين في عكّار وأسفرت عن خمسة قتلى وعدد من الجرحى وكذلك التوتر في ببنين، وغيرها من الحوادث الأمنية المتفرقة التي يكاد لا يمرّ يوم في طرابلس وعكار وجوارهما إلا وتشهدها، تاركة خلفها أمناً هشّاً، وتسيّباً غير مقبول، وغياب سلطة الدولة، وكأنّ هناك تعمّد لترك هذه المنطقة لقدرها على هذا النحو من التفلّت الأمني الخطير، الذي يكبر يومياً ككرة الثلج، وصولاً إلى انفجار أمني كبير تكون طرابلس كالعادة ضحية مناسبة وكبش محرقة له.


مواضيع ذات صلة


  

 

  

 

Post Author: SafirAlChamal