أزمة الحريري أم أزمة الطّائفة؟… عبد الكافي الصمد

تكفي إطلالة سريعة على ردود الفعل الغاضبة التي ضجّت بها منصّات مواقع التواصل الإجتماعي في الفترة الأخيرة، تعليقاً على موقف رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري حول توقّف عمل المحكمة الدولية الخاصّة بلبنان لأسباب مالية، متعلقة بتوقف لبنان عن دفع المستحقات المتوجبة عليه لها نتيجة أزمته المالية، حتى يتبين حجم الإستياء الشّعبي منه، وتراجع التأييد له بشكل غير مسبوق في الشّارع السّنّي تحديداً.

فالحريري الذي رأى أنّ توقف عمل المحكمة الدولية، التي تبحث في قضية إغتيال والده الرئيس رفيق الحريري وآخرين، “قرار محزن” لأنّه يعني “توقف قطار العدالة الذي نحن بأكثر الأوقات حاجة إليه، ومؤلم أن تكون الأسباب مالية”، مطالباً “الحكومة اللبنانية بتسديد ما هو متوجّب عليها من مساهمة مالية”، إنهالت عليه ردود فعل منتقدة وشاجبة، من أوساط شعبية وليس شخصيات وقوى سياسية، لم تكن متوقعة بهذا الحجم قبل سنة على الأقل، وليس قبل 5 أو 10 سنوات.

رفض أوساط شعبية واسعة دفع لبنان مساهمته المالية في المحكمة الدولية لم تكن أبداً متوقعة قبل سنوات قليلة، وكان أيّ صوت يخرج داعياً لتوقف لبنان عن دفع متوجباته المالية لها يُرمى بأبشع النّعوت والصّفات، إلى أن حصل الإنهيار المالي الأخيرما جعل قرار دفع لبنان هذه المتوجبات لا يمر بسهولة من قبل شعب جائع وفقير وعاطل عن العمل، بعد أن ضاعت جهوده وتحطمت أحلامه الحالية والمستقبلية.

تداعيات موقف الحريري لا تعبّر عن ذلك فقط، بل تشير بوضوح إلى وجود أزمة عميقة لديه في الشّارع السّني قبل غيره، ذلك أنّ الدعوات التي طالبته بأن يدفع هو أو أخوه أو عائلته المستحقات للمحكمة ليست بسيطة ولا يمكن تجاهلها، إضافة إلى انتقاد شديد وُجّه إليه لتأييده محكمة يفترض أن تحاكم المتهم باغتيال والده، بينما الحزب الذي ينتمي إليه هذا المتهم هو حليف الحريري وداعمه الرئيسي اليوم في مسعاه لتأليف الحكومة، وتجاوزه الصعوبات التي تعترضه في سبيل ذلك.

الرصيد الشّعبي الواسع الذي كان الحريري يحظى به في الشّارع السّني، شكّل طيلة السّنوات السّابقة السّلاح الأقوى الذي كان زعيم تيّار المستقبل يستخدمه، ويحارب به خصومه داخل الطائفة السّنية وخارجها، إلى أن بدأ هذا السلاح بالإنقلاب عليه بعدما ضاق الشّارع السنّي ذرعاً بتراجعات الحريري، وتلقيه خسارة تلو الأخرى، سياسية ومالية وشخصية، وإسقاطه هذه الخسائر على شارع مثقل أساساً بهموم وخسائر لا تعد ولا تحصى.

لم يكن منتظراً ردود الفعل على موقف الحريري من المحكمة الدولية لمعرفة أنّ الرجل يعاني أزمة عميقة في شارعه، فالرجل كان يعاني من هذه الأزمات منذ سنوات، ولكنّ اسباباً عديدة حالت دون ظهورها بهذه الحدّة، سياسية أو طائفية، إلى أن فجّرت الازمة المالية والمعيشية الخانقة كلّ مكنونات الشّارع السنّي الغاضبة دفعة واحدة.

هذه الردود المستاءة لا تعكس أزمة الحريري فقط، بل تعكس أيضاً أزمة الطائفة السّنية كذلك، هذه الطائفة التي أصرّ الحريري منذ تسلمه إرث والده السّياسي بعد اغتياله على اختصارها بشخصه، من خلال إلغائه الآخرين في الطّائفة، أو تحجيمهم، وعندما وجد نفسه في ورطة، كشفت تراكمات السنين الماضية أنّهم غير قادرين على مساعدته، عدا عن عدم رغبتهم بذلك أصلاً، كما أنّ الإرث الثقيل الذي تركه خلفه، فضلاً عن الأخطاء التي ارتكبها طيلة سنوات حكمه، جعل الشخصيات السّياسية السنّية الأخرى تفكر إلى المليون قبل إقدامها على حمل كرة نار المسؤولية عوضاً عنه.

يُضاف إلى ذلك أنّها المرة الأولى التي تجد الطائفة السنّية نفسها بلا سند خارجي داعم لها. فالسّعودية التي تعتبر الداعم الاساسي للسنّة في لبنان، سياسياً ومالياً، لم تعد تريد الحريري كما لم تتبن غيره بعد، وسوريا التي لطالما حافظت على التوازن الطائفي في لبنان خلال الحرب وبعد اتفاق الطائف، والذي استفاد منه السنّة بشكل أو بآخر، عاداها الحريري وأغلب الشّارع السنّي في لحظة تجييش طائفي، ومصر وبقية الدول العربية لا تبدو مؤهلة للعب دور يعيد للسنّة دورهم وحجمهم السياسي المتآكل من داخل جدران الطائفة وليس من خارجها.


مواضيع ذات صلة:


Post Author: SafirAlChamal