فورد والأزمة السّورية: نصيحة غير مباشرة إلى اللبنانيين… عبد الكافي الصمد

في رسالة بالغة الدلالة، لجهة مضمونها وتوقيتها، دعا السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد، إدارة بلاده، بما يتعلق بتدخلها في الحرب الدائرة في سوريا، بـ″الإكتفاء بتقديم المساعدات الإنسانية للاجئين وتخفيف العبء عن الدول المستضيفة لهم، وأن تعمل على الحد من إمكانية تجنيد اللاجئين في تجمعاتهم″، معتبراً أن بلاده ″ليست لديها خيارات جيدة في سوريا، وبعض هذه الخيارات المتاحة أسوأ من الأخرى″.

كلام فورد، الذي يعد خبيراً بارزاً في الشأن السوري ومطلعاً عليه عن كثب، ليس جديداً، وهو يشكل مراجعة هامة لمسؤول في الإدارة الأميركية، كان دأب في الآونة الأخيرة على إطلاق مواقف نقدية على مقاربة إدراة البيت الأبيض في التعامل مع ملف الأزمة السورية.

وآخر ما صرّح به فورد في هذا السياق مؤخراً، قوله إن ″الحرب الأهلية السورية دخلت مرحلة جديدة″، وأن ″قوات النظام السوري تحقق مكتسبات شرق البلاد بدعم روسي وإيراني″، وأنه ″يتعين على أميركا إتخاذ قرار بشأن متى وكيف تنسحب من سوريا″.

وأشار إلى أن ″الأمل في إخراج الرئيس السوري بشار الأسد من السلطة، وتحقيق إنتقال سلمي لها يتلاشى، إن لم يكن قد أصبح بعيد المنال وخيالياً، بالإضافة إلى أن خيار دعم قوات المعارضة السورية يجب أن يخرج من المعادلة، لأن الجيش السوري عازم على استعادة كامل البلاد، وقد ينجح في ذلك”، معتبراً أن كل ذلك يعني أن على واشنطن أن تتخلى عن الأمل في دعم منطقة كردية منفصلة″.

هذه المواقف التي أطلقها فورد ليست جديدة عليه، لكنها الأكثر وضوحاً بهذا الشكل، وتعتبر تحوّلاً لافتاً بما يتعلق بالإطلاع على كيفية مقاربة إدراة البيت الأبيض للأزمة السورية، والأفكار المتداولة لديها بهذا الخصوص، وهي أحدثت صدمة لدى أصدقاء أميركا وحلفائها في المعارضة السورية والمنطقة، لكنها بالمقابل تعتبر ″طبيعية″ لمن يتابع كيفية تعامل وتعاطي الإدارة الأميركية مع الأزمات في المنطقة والعالم.

غير أن ما يعني لبنان واللبنانيين من كلام فورد هو دعوته إدارته لأن ″تعمل على الحدّ من إمكانية تجنيد اللاجئين في تجمعاتهم″، وهو هنا يغمز ناقداً من قناة دعوات وجهتها شخصيات اميركية، طلبت إستغلال أزمة النازحين السوريين في دول الجوار، بهدف الضغط على النظام السوري وحلفائه في المنطقة، واستغلالهم في هذا المجال عن طريق عدم تسهيل عودتهم حالياً إلى بلادهم.

ويبدو أن مطالبة البعض في الإدارة الأميركية في هذا الخصوص، تلاقت مع دعوات مماثلة في لبنان من قبل بعض القوى والشخصيات السياسية المعارضة للنظام السوري والمحور الذي يدعمه، وهي تدعم هذا التوجه ولو بشكل غير مباشر من خلال رفضها التواصل مع الحكومة السورية، والتفاوض معها، من أجل تسهيل إعادة النازحين إلى بلادهم، ومراهنة بالمقابل على إمكانية “إستخدام” هؤلاء النازحين للضغط على حلفاء النظام السوري في لبنان، وتحديداً على حزب الله، ولعل جولات الإشتباكات الـ22 التي شهدتها طرابلس، كمثال، قرابة ثلاث سنوات، بالتزامن مع إندلاع الأزمة السورية، شكلت تعبيراً واضحاً عن إستعداد البعض للخوض في ذلك الرهان.

هذا الرهان الذي يشبه رهان قسم من اللبنانيين قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، على الفلسطينيين، هو رهان أدخل لبنان في 15 سنة من ″الجحيم″، ولم يخرج منه إلا بدمار واسع أصابه على كل الصعد، وسقوط آلاف الضحايا، عدا عن الجرحى والمفقودين.

ويبدو اليوم أن كثيرين في لبنان لم يتعلموا دروس التاريخ القاسية، لا بل إن بعضهم يبدي إستعداداً لتكرار مغامرة جنونية وإنتحارية، ولو أدى ذلك إلى دمار وقتل وتشريد مزيد من اللبنانيين، وتنفيذ أجندات خارجية، فجاءت دعوة السفير فورد لتكون بمثابة نصيحة غير مباشرة لهم، قبل أن تكون نصيحة إلى إدارة بلاده.

Post Author: SafirAlChamal