من الاقطاع المرفوض… الى الاقطاع الاسوأ… مرسال الترس

غريب أمر اللبنانيين في ذاكرتهم الضعيفة التي يردّها بعض الخبراء في المعالجات النفسية الى التراكم المتواصل في المشاكل الاجتماعية والهموم المعيشية والحروب المتنوعة.

صحيح أن الاقطاع المالي والعقاري الذي كان قائماً إبان حكم السلطنة العثمانية على لبنان، قد تأقلم مع الانتداب الفرنسي بعد الحرب العالمية الاولى، ثم تحوّل الى إقطاع سياسي تمكن من بسط سلطته بوضوح بعد الاستقلال من خلال الهيمنة على السلطات كافة عبر التحكم بالانتخابات النيابية ونتائجها احياناً بالترهيب والترغيب، واحياناً أخرى بالمال المتوفر لديه، وصولاً الى المحادل والبوسطات بعد الطائف حتى بات يُقال:″ أن الانتخابات لا تجري الاّ بعدما يتم التأكد من نتائجها″.

واذا كانت تلك الاقطاعات قد رسخت حضورها من خلال الصكوك المدفوعة الثمن فأنه من المؤسف أن اللبنانيين الذين صدّقوا الاحزاب والتيارات التي تمددت وترعرت لاحقاً تحت شعارات مواجهة الاقطاع السياسي وسطوته والتوريث الذي يعتمده. يقفون اليوم متفرجين واحياناً كثيرة مصفقين لتلك التنظيمات وهي تمارس أسوأ وأبشع أنواع الاقطاع.

من خلال الاضاءة على بعض تلك النماذج في المجتمع المسيحي يمكن إعطاء الصورة الواضحة للبنانيين ككل الذين يدوخ معظمهم بتلك الاحزاب والتيارات ويكرهون أفراد عائلاتهم احياناً في سبيلها:

فحزب الكتائب الذي تأسس عام 1936 على يد الجد بيار الجميل قام على فكرة نبذ ومحاربة ذلك الاقطاع من أجل اعطاء الفرصة الكاملة للشباب الحزبي كي يمارس السلطة والمسؤولية بافضل صورها، ولكنه بعد محاولات عدة خارجة عن ارادته لكسر النمط، عاد ليستقر في حضن آل الجميل بدون أية منافسة ممكنة.

والقوات اللبنانية التي انطلقت من رحم الكتائب في منتصف سبيعينيات القرن الماضي صالت وجالت بين بضعة مسؤولين في رئاسة هيئتها التنفيذية ومارست أبشع أنواع إلغاء الآخرين، لتتمترس كحزب في محراب آل جعجع في بلدة معراب الكسروانية.

أما التيار الوطني الحر الذي وضِعت أُسُسه في أواخر الثمانينات بعد وصول قائد الجيش حينها العماد ميشال عون الى بعبدا من خلال تكليفه بترؤس حكومة انتقالية، يتجه اليوم الى تكريس التوريث السياسي الممنهج. ولعل ما يشاهده المواطنون من ردات فعل من المعترضين داخله على أداء مسؤوليه، أكبر مثال على المنحى الذي يمكن أن يستقر عليه.

فهل ستتمكن الانتخابات النيابية المقبلة التي تقوم على أساس النسبية ان تكسر الانماط القائمة؟ بعض المتابعين يؤكدون استحالة ذلك في المدى المنظور، لأن الضوابط التي وضعت لتخطي المراحل الانتخابية ستتطلب مرحلة طويلة من العمل الشاق والدؤوب للوصول الى التغيير المرتجى.  

Post Author: SafirAlChamal