يُجمع الصيادون، أن بيع السمك بالمزاد العلني، هو تقليد قديم عُرف مطلع القرن العشرين، ″ورثناه عن آبائنا وأجدادنا الذين عملوا في هذه المهنة المتعبة، وهناك ″دلاّل″ لكل صالة بيع، عادة ما يكون خبيرا بأنواع السمك وبأسعاره المتقلبة نسبيا″.
″بورصة″ الأسعار تخضع لقاعدة العرض والطلب، حيث تنخفض هذه الأسعار حين تكون كمية الأسماك المعروضة للبيع كبيرة، وترتفع حين تكون الكمية قليلة، إضافة الى أن أسعار السمك ترتفع حين تكون أحوال الطقس رديئة في البحر، الأمر الذي يمنع العديد من الصيادين من النزول الى العمل.
تجدر الاشارة الى أن سوق البيع بالمزاد العلني يشهد ضغطا وإقبالا كثيفين في أيام محددة من الأسبوع خاصة يومي السبت والاحد، إضافة الى أيام الأعياد والمناسبات والعطل الرسمية، في حين تقل أعداد الزبائن نسبيا في بقية الأيام، والسبب في ذلك يعود الى توافد أصحاب المطاعم في العاصمة بيروت الى سوق المزاد يومي السبت والاحد وخلال الأعياد، لشراء كميات كبيرة لمطاعمهم التي يرتادها الزبائن في مثل هذه الايام بكثرة.
ومن أسواق المزاد العلني مسمكة ″أنوس″ في الميناء والتي تشهد يومياً حركة ناشطة للبيع والشراء، واقبالاً كثيفاً من كل المناطق اللبنانية بهدف شراء ″السمك البلدي″ الطازج، وضمن المسمكة ″أصوات″ تعلن عن البيع بالمزاد العلني وأخرى تقرر المزايدة إلى أن يقع ″النصاب″ على الشخص الذي يقدم السعر الأعلى، لتتكرر نفس العملية مرات عدة وسط ترقب التجار والأشخاص المترددين على السوق لمعرفتهم تماماً بأن سعر المزادات يقل كثيراً عن أي مسمكة أخرى.
وكما حال كل القطاعات في البلد، فان مهنة ″صيد السمك″ والتي يعتاش منها نسبة كبيرة من أبناء منطقة الميناء والجوار تتجه نحو الاندثار بسبب الفوضى المستشرية والغياب الكلي للدولة التي وبالرغم من وجود القوانين التي تحد من الصيد العشوائي الا ان شيئاً منها لا يطبق، بمعنى أن الصياد يُترك لأهوائه في إختيار الوسيلة التي يرغب بها في صيد السمك، بحيث يستخدم الكثير منهم ″الديناميت″ الممنوع أصلاً والذي يؤدي الى انقراض الثروة السمكية، فضلاً عن أن ″هواية صيد السمك″ يلجأ اليها المتعلم والمواطن العادي الى جانب الصياد من دون أن يكون هناك أي تنظيم لهذه الهواية.
وبين عملية الصيد وشراء ″الأسماك البلدية″ بات هناك السمك المستورد والذي يباع بسعر أقل بكثير من السمك البلدي، وازاء هذا الواقع فان الكثير من كميات السمك تبقى لدى الصياد بسبب تعذر بيعها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والتي يتخبط بها الناس.
ويشير النقيب السابق للصيادين سالم دقناش (68 سنة) الى ان ″سوق المزاد موجود منذ سنوات طويلة بل منذ وجود هذه المصلحة، حيث يأتي الصياد بالأسماك ويعرضها بالمزاد العلني وبالطبع يحق للناس العاديين وأصحاب المطاعم شراء السمك، وتعتبر مسمكة ″أنوس″ هي الأهم في الميناء ويقصدها الزبائن من كل المناطق″.
ورداً على سؤال يقول:″ السمك رزقة، لكن الصياد يعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة جداً بعدما بات البحر مكشوفاً للجميع والفلتان سائد في الصيد، والدولة ″كذبة″ والقوانين الموجودة لا تطبق، كل وسائل الصيد الموجودة في العالم متوفرة لدينا، وللأسف الدولة غائبة عن الوعي ولا تنفذ القانون، وفي المقلب الآخر فان النقابة غائبة عن أي دور لها في هذا المجال″.
ويقول: ″اليوم لم يعد هناك موسم صيد، واذا ما بقينا على هذه الحال بالفوضى فان الثروة السمكية ستتلاشى، وبالتالي فان هذا الوضع سينعكس سلباً على الصيادين الكثر في الميناء والبداوي وأنفة وشكا، وازاء ذلك لا تقوم الدولة بواجباتها بعدما لم تعد هموم المواطن تعنيها، وبرأيي فان القانون لا يُطبق الا على الأمور التافهة فمثلاً قد يحرر لنا محضر ضبط بسبب ″العلم اللبناني″ الموجود على المركب بوضعية خاطئة!، أما التفجير الحاصل في البحر بهدف الصيد لا يعنيهم، الدولة معنية بمتابعة القضية لمنع اضمحلال الثروة السمكية وذلك من خلال منع الصيد بطريقة عشوائية″.
ويؤكد النقيب دقناش ″اننا أبطال والبحر عدونا وليس هو باب الرزق بالنسبة لنا، وهنا لا أتناول فئة معينة بل اننا جميعاً مسؤولون عن التدهور الحاصل، وأكثر من ذلك المهنة متروكة لدرجة أن الطبيب يصطاد والمهندس يصطاد وحتى الوزير يصطاد، في كل دول العالم يمنع على أي كان النزول الى البحر باستثناء الصياد، أما أصحاب الهوايات فتحدد لهم أماكن معينة ويسمح لهم الصيد بكميات محددة، واذا ما بقينا على ما نحن عليه فاننا نسير نحو الأسوأ بفترات زمنية قصيرة″.
من جهته الدلال نصوح أنوس ( 67 سنة) وهو في مهنة المزاد منذ 50 سنة: يقول: ″الدلال″ مهنة من لا مهنة لهم، ومن يعمل فيها لا يملك المال بالرغم من أن السمك ″ثروة بحد ذاتها″، وأحياناً لا يتم بيع السمك بكمياته الكبيرة فيضطر الصياد لأخذه، المهنة ليست في طريقها الصحيح وهي الى زوال بسبب انتشار السمك المستورد والذي يأتينا بأسعار متدنية جداً، لكن من يريد لقمة شهية لا يأكل سوى السمك البلدي″.
أما التاجر فادي ضناوي (47 سنة) فيقول: ″أعمل في هذه المصلحة منذ 15 سنة والحمدلله مصلحتنا جيدة، والمزاد مطلوب ومهم كونه يعرض السمك البلدي الطازج من ″البحر للمستهلك″، وكصيادين لا نجني الكثير من الأرباح، وتعد مسمكة أنوس الوحيدة التي تبيع السمك البلدي ويقصدها الزبائن من الجنوب وصيدا وكل المناطق اللبنانية، وأحياناً تكون القيمة الشرائية للسمكة 10 آلاف ليرة وتباع في المزاد ب 100 ألف ليرة والعكس صحيح″.
ورداً على سؤال يقول: ″المهنة ليست بخير بسبب الفوضى السائدة في الصيد وانتشار السمك المستورد مثلاً كيلو السمك الجربيدي البلدي 35 ألف ليرة لبنانية في حين المستورد ب 7 آلاف ليرة والناس تشتريه، نقوم بتحركات لكن ما من آذان صاغية لشكوانا″.
ويعرض ضناوي لطريقة اصطياد السمك الحديث الولادة والذي يتم اصطياده والقضاء عليه من دون أن يستفيد منه لا المواطن ولا الصياد، مؤكداً انه لو كان هناك رقابة وقوانين تنظم المهنة لما وصلنا الى ما نحن عليه اليوم.





