تندر المعلومات التي تفسر تمسّك رئيس الحكومة سعد الحريري بالقانون الذي أقره مجلس النواب، مؤخراً، والمرتبط بقانون سلسلة الرتب والرواتب، الذي يجعل من يوم الجمعة يوم عمل عادي، على أن تكون العطلة الأسبوعية يومي السبت والأحد.
ذلك أنه ما إن بدأ العمل بالقانون الأسبوع الماضي، بعدما وقعه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ونشر في الجريدة الرسمية، وتلاه إصدار وزارة العمل تعميماً بهذا الخصوص، من أجل تطبيق القانون المذكور، حتى ارتفعت حملة شعواء في وجه هذا القانون كانت قد سبقت إقراره، رافضة له ومحذرة من عواقبه، ما جعل سؤالاً يبرز بقوة في هذا الإطار، ومفاده: “أما كان الحريري يدرك مسبقاً حجم الإعتراضات في الشارع الإسلامي على هذا القانون؟، وما الذي دفعه إلى الإصرار على إقراره، وهل يمكنه تحمّل تداعياته على المستويات كافة؟”.
لفهم حجم رفض المسلمين أن يكون يوم الجمعة يوم عمل عادي، لا بد من الإشارة إلى أن الإنتداب الفرنسي هو الذي جعل العطلة الأسبوعية في لبنان يوم الاحد، بعدما كانت أيام الأتراك يوم الجمعة، ونتيجة الضغط الكبير الذي مارسه المسلمون على المنتدبين الفرنسيين، جعل هؤلاء يوم الجمعة نصف يوم عمل ونصف يوم عطلة، لكن من غير أن يمنع ذلك المسلمين، منذ ذلك الحين، من المطالبة بأن يكون يوم الجمعة يوم عطلة كامل، وهو أمر لم يتحقق لأسباب عدة، ما فرض على المسلمين في لبنان “تعايشاً” مع الواقع بالإكراه مع الواقع الجديد، إستمر أقل من قرن من الزمن.
لكن قبل أسابيع قليلة من إقرار قانون سلسلة الرتب والرواتب، أقر قانون آخر في موازاته يتمثل في قانون عمل جديد للموظفين والعاملين في القطاع العام، مفاده أن ساعات العمل إرتفعت إلى 35 ساعة بدلاً من 32 ساعة، وأن الدوام اليومي أصبح من الثامنة صباحاً حتى الثالثة والنصف ظهراً، وأن يومي السبت والأحد أصبحا يوما عطلة أسبوعية، أما يوم الجمعة فابتكر النواب صيغة غريبة عجيبة له، وهو أن يعطى خلاله ساعتين إجازة من أجل الصلاة (لم تذكر صلاة الجمعة!)، وأن يكون دوام العمل في ذلك اليوم حتى الساعة الثالثة ظهراً.
إعتراض المسلمين على قانون دوام العمل الجديد، دفع مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، بعد استقباله وفداً كبيراً من هيئة العلماء المسلمين، إلى تجديد مطالبته “بجعل يوم الجمعة عطلة أسبوعية كاملة إلى جانب الأحد، بدلاً من يوم السبت”، وأنه أبلغ رئيسي الجمهورية ومجلس النواب برفضه (لم يتصل بالحريري الذي يشاع أنه إتصل به معاتبا، وطلب منه عدم التطرق للموضوع)، محذراً من أنه لن يقبل “بساعة عمل واحدة يوم الجمعة، وهذا موقف دار الفتوى”.
كرة الإعتراض هذه كبرت مثل كرة الثلج، خصوصاً يوم أمس الجمعة الذي خصص خطباء المساجد أغلب خطبهم لهذا الموضوع، معلنين رفضهم له بالمطلق، في موازاة إعلان رؤساء بلديات شمالية وأعضاء بلدية طرابلس المسلمين وروابط مخاتير منطقة عكار رفضهم، بما يشبه التحدي، تغييب يوم الجمعة عن العطلة الرسمية، وأن يوم السبت سيكون في بلدياتهم يوم عمل عادي.
هذه الأزمة المفاجأة التي لم تكن على جدول أعمال كثير من القوى السياسية، جعلت أغلبهم يلزم الصمت ويقف موقف المتفرج، سواء من خصوم الحريري الذين وجدوه يغرق في مستنقع لن يخرج منه سالما، حسب رأيهم؛ أو ممن يعتبرون أنفسهم “حلفاءه” ومناصريه، الذين يرون في وقوعه فرصة لهم للإنقضاض على ما تبقى من إرثه السياسي، مستغلين لحظة الضعف التي يعاني منها، إلى حدّ أن أحداً من نوابه ووزرائه وحلفائه لم يتطوّع للدفاع عنه، وتركوه يصارع وحيداً أزمة متفجرة جلبها لنفسه في وقت سياسي حرج جداً.




