أزمة طرابلس.. ″جدار برلين″ الفاصل بين منطقتين… مصباح الساكت

لا يَخفى على أحد أننا في طرابلس نُعاني من مشاكل متعددة، اجتماعية، ثقافية، اقتصادية وغيرها الكثير، لكن كُل هذه المشاكل تعود إلى منبعٍ واحدٍ يُشكل وجوده المشكلة الاجتماعية الحقيقية التي تتفرع منها كل المشاكل وتتشعب.

مشكلتُنا الأساسية في طرابلس تتمحورُ في الخطِ الذي أوجدناه نحنُ، خط ″البحصاص – البولفار – ساحة عبد الحميد كرامي – اشارة التل – اشارة عزمي – اشارة المئتين – دوار ابو علي″، هذا الخط أشبهُ بجدارِ برلين الفاصلِ بين منطقتنينِ وزمانين، مع فارق بسيط جدا ووحيد هو أن طرفيّ هذا الخط يتكونان من ″مرآة عاكسة″ ..

بدايةً لنعودَ بالزمنِ إلى أوائل القرن الماضي، إلى بداياتِ بناء شارع ″عزمي بك″ ذاك الشارع الذي شكل الشرارةَ الاولى للمشكلة الحالية، الشارع الذي كان ملاذًا لأغنياءِ المدينة وذواتها الذين أَثروا ترك المدينة القديمة او الداخلية التي كانوا من قاطنيها و التمدد نحو البساتين التي كانوا اصلا من مُلاكها.

يوما بعد يوم بدأتْ حركةُ النزوح الداخلية تَكْبُر كَكُرة الثلج، و بدأ المقتدرون يخرجون شيئا فشيئا من داخل المدينة القديمة نحو التمدد العمراني حديث العهد في البساتين، فكان، بعد عزمي بك، شارع طريق الميناء ومتفرعاته المعروف اليوم بشارع رياض الصلح ومن ثم المعرض. 

وما سرعَ من وَتيرة عملية النزوح هذه، هو اشتعال فتيل الحرب الاهلية وتحول الاسواق الداخلية ملاذا للمطلوبين والمقاتلين “دولة المطلوبين (القدور وجماعته) وغيرهم .. 

شيئا فشيئا ومع حلول ثمانينيات القرنِ الماضي فرغت الاسواق والمنطقة الداخلية من المُقتدرين وأصحاب الاموال وبقي فيها من لا قُدرة مالية لديه على مُغادرتها.. وهنا برزت المُشكلة الحقيقية واكتمل إنشاء جدار الفصل الحقيقي ..

وأنهِيَ هنا تحول خط البحصاص – دوار أبو علي الى خط فصلٍ طبقيٍ على طرفيه مرآة عاكسة، كُلٌ لصورتهِ من دون قدرةٍ للقاطنين على رؤية الطرف الاخر.

فسُكان المناطق الواقعة داخل هذا الخط جُلهم فقراء ومُعدمون لم تُسعفهم مُدخراتهم على الخروج مع مَن خرج وبالتالي ظلوا عالقين في مُستنقعِ الفَقر والعوز، وهم بمعظمهم لا يملكون أي اختلاط مع سُكان الطرف الآخر لأن ما في عقولهم هو صورة نمطية تمنعهم من اجتياز الحدود الفاصلة نحو العالم الجديد لسببين أولهما الأفكار المُسبقة عن غلائه واكتظاظه بالأغنياء وثانيها هي افتقارهم ″لرسم الدخول″، فهم لا يملكون اية مدخرات لينفقوها في مقاهي او مطاعم الطرف الاخر الفارهة، او حتى لا يملكون ما يتنقلون به، و هم أصلا لا يملكون وقتًا للتفكير بالتنزه او بالترفيه، لأنهم دائما ما يكونون مشغولين بالتفكير في كيفية تأمين لُقمة العيش وتدبير امور الغد. 

اما الشباب منهم، فهم ضحية هذا العوز وعليهم الاختيار بين خيارين أحلاهُما مُر، فأما المُكافحة للعيش والتعلم وتأمين المُستقبل.. أو القبول بالسقوط في مستنقع البطالة وما يؤدي إليه من أمور لا تُحمد عُقباها.

أما سُكان الطرف الفاره، فجُلَهُم لا يُعير أي اهتمام ولا يعلمُ اي شيء عن سُكان الطرف الاخر، ومعظمهم لم يزُرهُ حتى!، فمعلوماتهم عنه تقتصر على تلك الصورة النمطية عن المنطقة ″المليئة بالزُعران والمشاكل″ دون أن يكون لديهم أي شعور بالمسؤولية تجاه ما يحدُث او  نية مدِ يد العون لمحاولة تغيير واقعِ أُناس يُشاركونهم نفس المدينة ونفس الهواء والتربة والمشاكل، فاهتماماتهم في مكان أخر تماما، في حياة مليئة بالرفاهية، والشباب منهم يعيشون يومياتهم بأريحية، يُفكرون في مكان التنزه مساءا أو السفر أو التنافس في إقتناء السيارات الجديدة.

إذا نحن اليوم نقفُ أمام مُشكلةٍ حقيقية وجوهرية.. امام وجود هذين العالمين بالقرب من بعضهما البعض، لا يفصل بينهما إلا شارع.. ولا يبعدهما عن بعضهما سوى بضعة أمتارٍ.. عالمين لا يعلم واحدهم عن حياة الاخر إلا القليل..

                                                                                  (يتبع غدا)

Post Author: SafirAlChamal